كيف فجرت تصريحات متحدث وفد الحكومة المفاوض بشأن الأسرى غضباً واسعاً في اليمن؟

2026-06-07 19:47 الهدهد - خاص
انتقادات يمنيين للمتحدث باسم الوفد الحكومي المفاوض "ماجد فضائل"
انتقادات يمنيين للمتحدث باسم الوفد الحكومي المفاوض "ماجد فضائل"

في الوقت الذي ما زالت فيه سجون مليشيا الحوثي تعج بالآلاف من المختطفين والمخفيين قسرياً، فجّرت تصريحات لمسؤول رفيع في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً موجة عارمة من الاستغراب والانتهاكات في الأوساط الإعلامية والحقوقية، عقب توجيهه "إشادة غير متوقعة" بأداء قيادات حوثية ارتبطت أسماؤها بملفات تعذيب مروعة.

التصريحات جاءت على لسان وكيل وزارة حقوق الإنسان والمتحدث الرسمي باسم الوفد الحكومي في مفاوضات الأسرى، "ماجد فضائل" حيث أشاد بأداء وفد الحوثيين خلال جولة المفاوضات الأخيرة التي استضافتها العاصمة الأردنية عمّان برعاية الأمم المتحدة.

خلال مقابلة تلفزيونية بثتها قناة "اليمن اليوم"، تخلى المتحدث الحكومي عن لغته الدبلوماسية المعتادة، ليذهب بعيداً في مدح الوفد الحوثي المفاوض، معتبراً أن وفد الجماعة "نضج بشكل كبير" في العملية التفاوضية.

ولم يكتفِ "فضائل" بالحديث العام، بل خصّ بالذكر رئيس وفد الحوثيين عبد القادر المرتضى، ومراد قاسم المكنى بـ "أبو حسين"، وهما قياديان يمنيان يواجهان اتهامات حقوقية ثقيلة بإدارة سجون سرية والإشراف على عمليات تعذيب ممنهجة بحق المختطفين.

فضائل تابع حديثه قائلاً: "بكل أمانة، لديهم مسؤولية وإحساس بأن العملية تتم كما يجب"، مؤكداً أن لهما دوراً كبيراً في إنجاز صفقة التبادل الأخيرة، وهي الشهادة التي نزلت كالصاعقة على أهالي الضحايا والمعتقلين الذين انتظروا خطاباً يحاكم الجلادين لا أن يثني عليهم.

انتقادات وردود فعل غاضبة

وأثارت تصريحات "فضائل" موجة انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر عدد من الصحفيين والناشطين أن الإشادة بشخصيات حوثية مرتبطة بملفات المختطفين والانتهاكات تمثل رسالة مثيرة للجدل، خصوصاً في ظل استمرار اتهامات حقوقية موجهة للجماعة بشأن ملف الاحتجازات.

ومن بين أبرز المنتقدين، الصحفي اليمني "مأرب الورد"، الذي علّق بلهجة شديدة السخرية والامتعاض، داعياً اليمنيين للاستماع جيداً لما قاله وكيل وزارة حقوق الإنسان، ومشيراً إلى أن فضائل استخدم عبارات قد لا يجرؤ حتى من يصفون أنفسهم بـ"المحايدين" على استخدامها.

وقال الصحفي "الورد" في منشور على منصة "إكس"، رصدته "الهدهد"، إن "فضائل" لم يكتفِ بالحديث عن وفد الحوثيين بلغة دبلوماسية، بل ذهب إلى حد الإشادة بهم بعبارات قد لا يستخدمها حتى بعض من يصفون أنفسهم بالمحايدين.

وأضاف أن عضو الوفد الحكومي قال إن وفد الحوثيين "نضج بشكل كبير" في عملية التفاوض، وخص بالذكر عبدالقادر المرتضى وأبو حسين،" لافتاً إلى أن الرجلين ارتبط اسماهما بملفات المختطفين والانتهاكات، مؤكداً أن لهما دوراً كبيراً في إنجاز صفقة التبادل.

وأشار إلى أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل أضاف: "بكل أمانة لديهم مسؤولية وإحساس بأن العملية تتم كما يجب"، مؤكداً إن من الصعب العثور على "دعاية لتحسين صورة الحوثيين" أفضل من شهادة تصدر عن مسؤول حكومي مشارك في المفاوضات.

وأضاف أن "فضائل" لم يكتفِ باستخدام لغة دبلوماسية تجاه وفد الحوثيين، بل قدم إشادة مباشرة بقيادات تفاوضية حوثية، معتبراً أن مثل هذه التصريحات تمنح الجماعة مكاسب معنوية وإعلامية.

ولم يقتصر انتقاد الصحفي الورد على مضمون تصريحات "فضائل" فحسب، بل امتدت إلى مسيرته الوظيفية وطبيعة تعيينه في المنصب الحكومي، إذ أشار إلى أن "فضائل" لم يصل إلى موقعه الحالي عبر مسار حقوقي أو قانوني تقليدي، وإنما انتقل من العمل في إحدى المنظمات الحقوقية إلى منصب وكيل وزارة حقوق الإنسان، قبل أن يصبح عضواً في الوفد الحكومي المفاوض.

تساؤل مرير من مختطف سابق 

وفي هذا السياق، تساءل الصحفي والمختطف السابق لدى الحوثيين "أكرم الوليدي" عن الجهة التي ستواصل التذكير بمعاناة الضحايا إذا كان المسؤولون المعنيون بحقوق الإنسان يركزون على الجوانب الإيجابية لدى الطرف المتهم بارتكاب الانتهاكات.

وقال "الوليدي"، في تعليق له رصدته "الهدهد" إن الحديث عن مرونة وفد الحوثيين في المفاوضات كان يمكن أن يترافق مع تذكير واضح بما وصفه بـ"الانتهاكات الجسيمة" المنسوبة للجماعة، بما في ذلك التعذيب والإخفاء القسري وأحكام الإعدام، معتبراً أن غياب هذا التوازن في الخطاب يثير مخاوف لدى الضحايا وذويهم.

وأضاف أن مسؤولية الجهات الحقوقية لا تقتصر على متابعة مسار المفاوضات، بل تشمل أيضاً الدفاع عن حقوق الضحايا والمطالبة بالمحاسبة والعدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن الاكتفاء بالإشادة دون الإشارة إلى سجل الانتهاكات يجعل كثيراً من المتضررين يشعرون بأن معاناتهم جرى تهميشها لصالح اعتبارات سياسية.

وفي منشوره استعاد "الوليدي" جانباً من معاناة المختطفين داخل السجون، متحدثاً عن سنوات الاحتجاز وما رافقها من آلام نفسية واجتماعية طالت الضحايا وأسرهم. 

وأكد أن الانتهاكات التي تعرض لها المختطفون ستبقى حاضرة في الذاكرة، وأن مطالب العدالة وكشف الحقيقة لن تسقط بالتقادم، حتى في حال تعثر المسارات السياسية أو القضائية.

تصريحات صادمة 

إلى ذلك قال الناشط "إبراهيم عبد القادر" إن التصريحات التي أدلى بها "فضائل" جاءت "صادمة بكل المقاييس"، معتبراً أنها اتسمت بما وصفه بـ"اللغة الرخوة والمتساهلة" تجاه قيادات في وفد الحوثيين.

"عبد القادر" أضاف أن "فضائل" تحدث عن رئيس وفد الحوثيين عبدالقادر المرتضى وعضو الوفد المكنى "أبو حسين" بعبارات إشادة وثناء، رغم ما يثار حولهما من اتهامات تتعلق بملفات انتهاكات بحق المختطفين، مشيراً إلى أن هذا الخطاب لا يعكس حجم المعاناة المرتبطة بملف الأسرى.

وتساءل "عبد القادر" عن طبيعة الخطاب الصادر عن مسؤول يفترض أنه جزء من فريق معني بإنصاف الضحايا والدفاع عن حقوقهم، قائلاً إن ما ورد في التصريحات لا ينسجم مع طبيعة الاتهامات الموجهة لقيادات في الجماعة، ولا مع حساسية الملف الإنساني.

واعتبر أن إسناد مثل هذه الملفات الحساسة لأشخاص لا ينتمون إلى الحقل الحقوقي بالمعنى المهني العميق قد يؤدي إلى خلل في التعاطي مع القضية، بحيث يطغى الجانب التفاوضي على البعد الحقوقي.

وأضاف أن التعامل مع أطراف النزاع في إطار التفاوض لا يجب أن يفضي إلى إغفال سجل الانتهاكات المنسوبة إليهم، مشدداً على ضرورة الحفاظ على توازن واضح بين مقتضيات العمل التفاوضي والالتزام الأخلاقي والحقوقي تجاه الضحايا.

وأكد أن ممثلي الدولة في مثل هذه الملفات يفترض أن يعبروا أولاً عن صوت الضحايا، وأن يحافظوا على وضوح الموقف الحقوقي حتى في سياق إدارة المفاوضات المتعلقة بملف الأسرى والمختطفين.

رأي حقوقي

من جهته قال رئيس منظمة "شهود لحقوق الإنسان"، "فائز صالح محمد"، إنه تابع المقابلة التي أجراها "فضائل" مع الإعلامي "عارف الصرمي" على قناة "اليمن اليوم"، مشيراً إلى أن أكثر ما لفت انتباهه كان اللغة التي استخدمها في وصف وفد الحوثيين المفاوض.

وأضاف أن "فضائل" استخدم، بحسب وصفه، "لغة منمقة" في الحديث عن أعضاء وفد الحوثيين، وفي مقدمتهم عبدالقادر المرتضى، الذي قال إنه شخصية معروفة بدورها في ملف السجون والانتهاكات الموجهة ضد المختطفين، بما في ذلك الصحفيون، إلى جانب القيادي المكنى "أبو حسين"، والذي أشار إلى ورود شهادات سابقة عن تورطه في انتهاكات داخل سجون الجماعة في صنعاء.

واعتبر أن التصريحات أغفلت، بحسب تعبيره، سجل الانتهاكات المنسوب إلى تلك القيادات، في مقابل التركيز على عبارات إيجابية مثل "التعاون"، و"الإحساس بالمسؤولية"، و"النضج في التفاوض"، و"الإصرار على إنجاح العملية"، وهي توصيفات رأى أنها لا تعكس حجم الاتهامات المثارة حول الملف.

وأكد أن هذا الخطاب، الصادر عن ممثل حكومي وعضو في وفد تفاوضي رسمي، يثير إشكاليات تتعلق بحدود التعامل السياسي مع أطراف النزاع، وبالتوازن بين مقتضيات التفاوض والالتزام بالخطاب الحقوقي المرتبط بملف المختطفين.

وأضاف أن التفاوض مع الحوثيين قد يكون ضرورة لاستعادة الأسرى، لكنه شدد على ضرورة عدم منح توصيفات إيجابية تتجاوز حجم الدور الحقيقي للأطراف المتهمة بارتكاب انتهاكات، على حد قوله.

وختم بالقول إن التعامل مع هذا الملف ينبغي أن يقوم على وضوح في الموقف الحقوقي، مع الاستمرار في إدارة المفاوضات باعتبارها وسيلة لاستعادة المختطفين، دون أن يؤدي ذلك إلى "تلميع" أي طرف متهم بانتهاكات، وفق تعبيره.