ذكرى قصف منزل الأحمر.. معركة الحصبة التي كشفت عنف صالح

2026-06-07 23:11 الهدهد/خاص:
ذكرى قصف منزل الأحمر.. معركة الحصبة التي كشفت عنف صالح

لم يكن الهجوم الذي شنته قوات الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح على منزل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في حي الحصبة بالعاصمة صنعاء في مثل هذه الأيام عام 2011 مجرد اعتداء عسكري عابر أو حادثة أمنية معزولة، بل مثّل إحدى أبرز حلقات العنف الممنهج الذي لجأ إليه النظام آنذاك في محاولة لخلط الأوراق وإطالة عمر بقائه في السلطة، عبر تخويف المجتمع من المصير الذي قد تؤول إليه البلاد إذا استمرت الثورة الشعبية المطالبة بإسقاطه.

وقد تحوّل ذلك الهجوم إلى واحدة من أكثر المحطات رسوخاً في ذاكرة الثورة اليمنية، بوصفه نموذجاً صارخاً لاستخدام قوة الدولة وأجهزتها العسكرية لإخضاع المجتمع وقمع الأصوات المعارضة. ففي أواخر مايو 2011 كانت الثورة الشعبية قد بلغت مرحلة متقدمة من الزخم والتأثير بعد أشهر من انطلاقها ضد صالح الذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، وكانت البلاد قد شهدت بالفعل منعطفات خطيرة حاول النظام من خلالها جر الحراك السلمي إلى مربع العنف.

 

نقطة تحوّل مسار الثورة

 

وكانت مجزرة جمعة الكرامة في مارس من العام نفسه أبرز تلك المحطات، إذ أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المعتصمين السلميين، وشكّلت نقطة تحول فارقة في مسار الثورة، بعدما دفعت عدداً من المسؤولين المدنيين والعسكريين إلى الانضمام لصفوف المحتجين، وفي مقدمتهم اللواء علي محسن الأحمر، قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية وقائد الفرقة الأولى مدرع حينها.

وفي هذا السياق المتوتر جاء الهجوم على منزل آل الأحمر في الحصبة، ضمن سياسة تصعيدية انتهجها صالح بهدف توسيع دائرة العنف خارج ساحات الاعتصام والتظاهر، ونقل المواجهة إلى فضاءات اجتماعية وقبلية أوسع أملاً في إجهاض الثورة مبكراً عبر القوة المسلحة.

 

استهداف منزل الشيخ صادق

 

وجاءت هذه التطورات بعد أيام قليلة فقط من إعلان الشيخ صادق بن عبدالله بن حسين الأحمر، زعيم مشايخ حاشد، تأييده للثورة وانضمامه إلى صفوف المحتجين، في خطوة اعتُبرت آنذاك أكبر دعم قبلي للحراك الشعبي، ونظر إليها كثير من المراقبين باعتبارها مؤشراً على خسارة النظام لإحدى أهم الركائز القبلية التي كانت تمنحه جزءاً من شرعيته الاجتماعية والسياسية.

ولم يمهل صالح تلك الخطوة كثيراً، إذ سرعان ما دفع بقوات الحرس الجمهوري والأمن المركزي ووحدات عسكرية أخرى إلى شن هجوم واسع باستخدام مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة على منزل الشيخ الأحمر ومحيطه. وتحوّل حي الحصبة خلال أيام إلى ساحة حرب مفتوحة دفعت ثمنها الأسر المدنية وسكان الحي، كما تعرّضت منشآت ومرافق حكومية وخاصة لأضرار واسعة نتيجة المواجهات.

وفي الوقت الذي كانت فيه خيام الاعتصام تتوسع في صنعاء وتعز وإب وعدد من المحافظات الأخرى، وكانت الضغوط الشعبية تتصاعد لإجبار صالح على الاستجابة لمطالب التغيير، كان الرئيس اليمني يشعر بأن قبضته على الحكم تتآكل تدريجياً وأنه يقترب من نهاية حقبة حكم استمرت أكثر من ثلاثة عقود، ليصبح اللجوء إلى القوة الخيار الذي راهن عليه في مواجهة خصومه السياسيين والثوار في الشارع.

ومن هذا المنطلق، لم يكن الهجوم على منزل الشيخ صادق الأحمر مجرد مواجهة مع خصم سياسي أو قبلي، بل رسالة ترهيب موجهة إلى مختلف القوى الاجتماعية والسياسية مفادها أن الانضمام إلى الثورة سيقابل بالقوة والعقاب. كما مثّل الهجوم انتهاكاً صارخاً للأعراف القبلية والاجتماعية التي تمنح منازل المشايخ والرموز الاجتماعية قدراً من الحصانة والاحترام، فضلاً عن كونه اعتداءً على أعيان مدنية يحظر استهدافها وفقاً للقانون.

فالشيخ صادق الأحمر لم يكن قد حمل السلاح ضد الدولة حينها، ولم يقد تمرداً أو انقلاباً، بل مارس حقه السياسي والدستوري في إعلان تأييده للمحتجين السلميين. ومع ذلك، اختار النظام الرد على هذا الموقف بالقوة العسكرية، في خطوة عكست حجم القلق الذي كان يعيشه جراء اتساع دائرة المؤيدين للثورة.

 

أهداف صالح من الهجوم

 

ويرى العديد من الباحثين والمراقبين أن صالح سعى من خلال هذا الهجوم إلى تحقيق أكثر من هدف في آن واحد؛ أولها الانتقام من الشيخ صادق الأحمر بسبب موقفه الداعم للثورة، وثانيها توجيه رسالة ردع إلى بقية الزعامات القبلية والسياسية التي كانت تفكر في الانضمام إلى المحتجين، وثالثها محاولة جر البلاد إلى مواجهات مسلحة تبرر استخدام القوة وتعيد تقديم النظام بوصفه الضامن الوحيد للاستقرار في مواجهة الفوضى.

وقد حظي موقف الشيخ صادق الأحمر بتقدير واسع داخل ساحات الثورة وفي أوساط القوى السياسية المختلفة، إذ اعتُبر تعبيراً طبيعياً عن احترام حق الشعب في التغيير، كما عُدّ امتداداً للمواقف التاريخية التي عُرفت بها أسرة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في الانحياز للجمهورية ورفض الظلم ومقاومة الاستبداد، بدءاً من مواجهة حكم الأئمة، وهي مواقف دفعت الأسرة ثمناً باهظاً في مراحل مختلفة من تاريخ اليمن، وصولاً إلى ثورة 11 فبراير 2011.

ومن جهة أخرى، سعى صالح إلى خلط الأوراق عبر توسيع دائرة العنف خارج ساحات الاعتصام والتظاهر لتطال منازل الشخصيات والقيادات التي أعلنت تأييدها للثورة، وفي مقدمتها الشيخ صادق الأحمر وإخوته. وكان الهدف من ذلك، وفق العديد من القراءات، تقديم ما يجري للرأي العام على أنه صراع بين السلطة وبعض مشايخ القبائل، وليس ثورة شعبية واسعة تطالب بالتغيير وإنهاء حكم استمر لأكثر من ثلاثة عقود.

غير أن هذه المحاولة لم تحقق أهدافها، إذ فشل صالح في تغيير طبيعة المشهد أو تشويه حقيقة الثورة. فعلى الرغم من أن المواجهات في منطقة الحصبة استمرت أشهراً وتحوّل الحي إلى ساحة معركة مفتوحة حتى ما قبل توقيع المبادرة الخليجية في نوفمبر من العام نفسه، فإنه لم يتمكن من السيطرة على منزل آل الأحمر أو كسر إرادتهم، كما أخفق في تحقيق المكاسب السياسية التي سعى إليها من خلال هذا التصعيد العسكري.

وفي السياق ذاته، يرى مراقبون أن صالح أراد من خلال هذا الهجوم توجيه رسالة مباشرة إلى بقية مشايخ القبائل الذين كانوا يتابعون تطورات الثورة، مفادها أن أي شيخ يقرر الانحياز إلى المحتجين قد يواجه المصير ذاته الذي واجهه الشيخ صادق الأحمر. وبمعنى آخر، حاول استخدام القوة النارية وسيلة للترهيب السياسي والاجتماعي ضد حلفائه التقليديين الذين ظلوا لعقود جزءاً من منظومة حكمه.

لكن النتائج جاءت معاكسة لما أراده؛ فبدلاً من إخافة المشايخ والحد من انضمامهم إلى الثورة، دفعت تلك الأحداث كثيراً منهم إلى إعلان تأييدهم للحراك الشعبي بشكل أكثر وضوحاً، كما قدم عدد منهم دعماً سياسياً وقبلياً ومادياً للمحتجين، وأبدى بعضهم استعداده لحماية ساحات الاعتصام من أي محاولات لقمعها بالقوة.

 

رسائل صالح للخارج

 

ولم تقتصر رسائل صالح على الداخل اليمني فحسب، بل امتدت إلى الخارج أيضاً. فقد كان حريصاً على مخاطبة المجتمعين الإقليمي والدولي عبر التلويح بخطر الحرب الأهلية، محاولاً إقناع الأطراف الخارجية بأن رحيله قد يقود البلاد إلى الفوضى والانقسام. وجاء الهجوم على منزل الشيخ الأحمر، بما يحمله من رمزية سياسية وقبلية كبيرة، في هذا الإطار؛ فالشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، ومن بعده نجله الشيخ صادق، لم يكونا يُنظر إليهما بوصفهما زعيمي قبيلة حاشد فقط، بل باعتبارهما من أبرز المرجعيات القبلية على مستوى اليمن كله.

ومن خلال إشعال المواجهات في قلب العاصمة صنعاء، كان صالح يأمل في إثارة مخاوف دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، ودفعها إلى التدخل للحفاظ على الوضع القائم أو على الأقل إبطاء عملية انتقال السلطة. غير أن التطورات اللاحقة أثبتت أن قطار التغيير كان قد انطلق بالفعل، وأن الأدوات والسياسات التي نجحت في احتواء الأزمات خلال العقود السابقة لم تعد قادرة على وقف موجة التغيير التي اجتاحت المنطقة مع بدايات الربيع العربي.

وفي المحصلة، وبينما أسهم الهجوم في تعزيز التعاطف الشعبي والسياسي مع الشيخ صادق الأحمر وأسرته تقديراً لموقفهم الداعم للثورة وانحيازهم إلى مطالب المحتجين، فإنه في المقابل رسّخ صورة النظام بوصفه نظاماً يلجأ إلى القوة والعنف في مواجهة خصومه. كما اعتبره كثير من المراقبين خطيئة سياسية وقبلية جسيمة ارتُكبت بحق إحدى أبرز المرجعيات الاجتماعية في البلاد، ودليلاً إضافياً على النهج الذي اتبعه صالح في مواجهة الثورة.

ويرى مراقبون أن صالح كان يتمنى الذهاب أبعد من ذلك في استخدام القوة لو أتيحت له الظروف، غير أن التوازنات القبلية، والانقسام الذي أصاب المؤسسة العسكرية، إضافة إلى الموقف الإقليمي والدولي الرافض لتحويل الثورة إلى حرب أهلية شاملة، كلها عوامل حالت دون تحقيق ذلك، وأسهمت في إفشال رهانه على الحسم بالقوة.