مأرب في الحسابات الدولية.. ماذا تقول الزيارة الأطول للسفير الألماني؟
لم تكن الأيام التي قضاها السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر في مأرب مجرد نشاط دبلوماسي روتيني أو زيارة بروتوكولية تندرج ضمن جدول أعمال السفارات المعتاد، بل حملت في طياتها دلالات سياسية تتجاوز حدود المحافظة نفسها.
وليس أدل على ذلك من اختيار مأرب محطة لهذه الزيارة المطولة، وما شملته من لقاءات مع مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، وهو ما يعكس إدراكاً دولياً متزايداً لمكانة المحافظة باعتبارها إحدى أهم ركائز الاستقرار في اليمن، ونموذجاً ناجحاً لصمود مؤسسات الدولة في زمن الحرب، فضلاً عن كونها لاعباً رئيسياً في أي ترتيبات سياسية أو عملية سلام مستقبلية.
فعلى مدى عدة أيام، تنقل السفير بين مؤسسات الدولة ومخيمات النازحين والمنشآت الاقتصادية والمشاريع التنموية والمواقع الأثرية، كما التقى قيادات سياسية وعسكرية ومشايخ قبائل وناشطين وقيادات نسوية. وهو برنامج لا يشبه الزيارات الدبلوماسية التقليدية بقدر ما يشبه عملية استكشاف شاملة لمحافظة باتت تمثل إحدى أهم مناطق الثقل في اليمن.
من محافظة مهمشة إلى مركز ثقل وطني
منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عقد، تحوّلت مأرب من محافظة هامشية في معادلة القرار السياسي إلى واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
فقد كانت المحافظة في طليعة المناطق التي واجهت المشروع الحوثي عسكرياً، ونجحت في الصمود رغم الحملات العسكرية المتكررة التي شُنت ضدها، بما في ذلك المعارك التي شارك في التخطيط لها خبراء من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني. وبرغم حجم الموارد العسكرية التي حشدها الحوثيون للسيطرة عليها، ظلت المحافظة عصية على السقوط.
وهنا تكتسب مفردة "الصمود" التي كررها السفير الألماني في تغريداته أهمية خاصة، لأنها لا تعكس فقط قدرة مأرب على الصمود عسكرياً، بل تشير أيضاً إلى الدور الذي لعبته المحافظة في الحفاظ على المركز القانوني والسياسي للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وليس من المبالغة القول إن مصير الحرب في اليمن كان سيأخذ مساراً مختلفاً لو سقطت مأرب بيد الحوثيين؛ فالمحافظة لم تحافظ فقط على التوازن العسكري والسياسي القائم، بل لعبت دوراً حاسماً في إفشال مشروع الجماعة للسيطرة على كامل البلاد، ومنعت تمددها نحو المحافظات الشرقية، وفي مقدمتها حضرموت والمهرة، اللتان تمثلان عمقاً استراتيجياً بالغ الأهمية للمملكة العربية السعودية.
ملاذ اليمنيين وعاصمة النزوح
وخلال سنوات الحرب، تحوّلت مأرب إلى ملاذ آمن لمئات الآلاف من اليمنيين الفارين من مناطق الصراع وأصبحت المحافظة نموذجاً نادراً للاستقرار النسبي مقارنة بمناطق واسعة من البلاد.
ويبرز مخيم الجفينة بوصفه أحد أهم الشواهد على هذا الدور، إذ يعد أكبر مخيم للنازحين في اليمن، ومن أكبر تجمعات النزوح في المنطقة، ويضم وفق تقديرات رسمية مئات الآلاف من النازحين الذين وجدوا في مأرب مكاناً آمناً للحياة والعمل وإعادة بناء حياتهم.
ولم يكن هذا التحوّل وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها أداء السلطة المحلية بقيادة نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب الشيخ سلطان العرادة، الذي تمكن من إدارة المحافظة خلال ظروف استثنائية بالغة التعقيد، مستفيداً من حالة التوافق المجتمعي والقبلي الرافضة لسيطرة الحوثيين.
كما لعبت القبائل دوراً محورياً في حماية المحافظة، حيث اختارت الانحياز للدولة والشرعية والنظام الجمهوري، ودفعت ثمناً باهظاً مقابل هذا الخيار خلال سنوات الحرب.
لماذا يهتم الغرب بمأرب وقيادتها؟
ورغم أن لقاء السفير الألماني بالشيخ سلطان العرادة قد يبدو أمراً طبيعياً بحكم منصبه محافظاً لمأرب، فإن دلالات هذا اللقاء تتجاوز البعد الإداري؛ فهو لم يعد يُنظر إليه بوصفه مسؤولاً محلياً يدير شؤون محافظة فحسب، بل باعتباره أحد أبرز الفاعلين السياسيين في معسكر الشرعية، وشخصية ارتبط اسمها بإحدى أهم محطات الصمود خلال سنوات الحرب.
وخلال السنوات الماضية قاد العرادة المحافظة في ظروف استثنائية، وأشرف على إدارة واحدة من أعقد تجارب الصمود السياسي والعسكري والاقتصادي في البلاد، كما نجح في الحفاظ على قدر من الاستقرار المؤسسي في وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة في مناطق واسعة من اليمن.
ولذلك، لم يعد حضور العرادة مرتبطاً بدوره المحلي فقط، بل بات جزءاً من الصورة الأوسع لمأرب نفسها بوصفها نموذجاً للاستقرار والصمود في اليمن. وفي هذا السياق، أصبح بحكم موقعه في قلب هذه التجربة أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بها، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل أيضاً في نظر كثير من الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وانطلاقاً من ذلك، فإن الاهتمام الدولي بمأرب لا يمكن فصله عن الاهتمام بقيادتها المحلية، باعتبارها نموذجاً للاستقرار النسبي والإدارة الفاعلة في بيئة شديدة التعقيد، وهو ما يفسر الحضور المتزايد للمحافظة وقيادتها في النقاشات المتعلقة بمستقبل اليمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة
نموذج إداري يستحق الاهتمام
لم يقتصر اهتمام السفير الألماني على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتد إلى تجربة مأرب الإدارية والتنموية؛ فمنذ سنوات استطاعت المحافظة أن تقدم نموذجاً مختلفاً نسبياً في إدارة مؤسسات الدولة والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات العامة رغم ظروف الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية الهائلة.
كما نجحت في توفير مساحة من الاستقرار سمحت بنشاط منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية، وهو ما جعل مدينة مأرب وجهة للعديد من المبادرات المدنية والإنسانية التي انتقلت إليها من مختلف المحافظات.
ومن هنا يمكن فهم إشادة السفير بالأوضاع الأمنية ومستوى التعاون الذي تلقاه من السلطات المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية، وهذه الإشادة لا تعكس نجاحاً أمنياً فحسب، بل تمثل اعترافاً دولياً بوجود نموذج مؤسسي استطاع الصمود والعمل في بيئة شديدة التعقيد.
القبيلة في الحسابات الدولية
ومن بين أكثر محطات الزيارة دلالة اللقاء الذي جمع السفير بمشايخ ووجهاء قبليين من مختلف المحافظات اليمنية، مما يكشف عن فهم متزايد لدى الدبلوماسية الغربية لطبيعة المجتمع اليمني، حيث لا تزال القبيلة تمثل أحد أهم الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.
فعلى مدى سنوات طويلة ركزت المقاربات الدولية على الحكومات والأحزاب السياسية، لكن التجربة اليمنية أظهرت أن القبيلة لا تزال تمتلك تأثيراً كبيراً في حفظ الأمن المحلي وتسوية النزاعات وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
وعندما يتحدث السفير عن أهمية الهياكل القبلية ودورها الحيوي في مستقبل اليمن، فإنه يقر عملياً بأن أي مشروع للسلام أو الاستقرار لن ينجح ما لم يأخذ هذه البنية الاجتماعية بعين الاعتبار.
رسائل تتجاوز مأرب
ورغم أن الزيارة جرت داخل محافظة واحدة، فإن رسائلها تتجاوز حدود مأرب نفسها، كما أن الزيارة حملت رسالة ضمنية مفادها أن المجتمع الدولي لا ينظر إلى مأرب باعتبارها مجرد محافظة تواجه تحديات الحرب، بل باعتبارها نموذجاً يمكن البناء عليه في مرحلة ما بعد الحرب.
ولذلك فإن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في طول مدتها أو عدد المواقع التي شملتها، بل في طبيعة الرسائل التي حملتها؛ فهي تعكس إدراكاً متزايداً لدى ألمانيا، وربما لدى شركائها الدوليين، بأن مأرب أصبحت واحدة من أهم المراكز السياسية والاقتصادية والإنسانية في اليمن، وأن دورها سيكون حاضراً بقوة في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل البلاد.