"أنا جاوع".. حملة يقودها عناصر الحوثي تكشف تصدع العلاقة بين القواعد والقيادات
تشهد مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، موجة متصاعدة من التذمر الشعبي، تقودها هذه المرة أصوات من داخل صفوف الجماعة، بما في ذلك مقاتلون وعناصر منخرطون في صفوفها وصولاً إلى قيادات محسوبة عليها، عبر حملة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي حملت شعار "أنا جاوع".
الحملة التي بدأت خلال الأيام الماضية بمقاطع مصورة ومنشورات فردية، تحولت تدريجياً إلى مساحة للتعبير عن حالة السخط المتزايدة إزاء الظروف المعيشية المتدهورة، وسط اتهامات لقيادات الجماعة بالعيش في أوضاع مرفهة بعيدة عن معاناة العناصر الميدانية والفئات الفقيرة في مناطق سيطرتها.
واللافت في الحملة ليس مضمونها الاقتصادي فحسب، إنما مشاركة عناصر محسوبة على الجماعة، ما يعكس اتساع دائرة الاستياء داخل القواعد الدنيا التي تحملت أعباء الحرب والتعبئة المستمرة طوال السنوات الماضية.
الحملة التي تابعتها منصة "الهدهد"، تزامنت مع تصاعد الشكاوى من تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الرواتب وارتفاع أسعار المواد الأساسية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة لسلطات الحوثيين بشأن الجبايات والضرائب والرسوم المفروضة على المواطنين.
ومع اتساع انتشار وسم "أنا جاوع"، سعت قيادات حوثية بارزة إلى احتواء الغضب المتصاعد، غير أن ردودها أثارت جدلاً واسعاً بين المتابعين، فقد ظهر القائم بأعمال رئيس حكومة الحوثيين غير المعترف بها، "محمد مفتاح"، في تسجيل مصور تناول الحملة بنبرة ساخرة، معتبراً أن أسباب الفقر والجوع تعود إلى سلوكيات فردية، مثل الإنفاق على القات والتدخين والإنترنت، بدلاً من الاعتراف بوجود أزمة اقتصادية أو مسؤولية حكومية تجاه المواطنين.
في المقابل أثار حديث "مفتاح" ردود فعل غاضبة على منصات التواصل، حيث اعتبره ناشطون محاولة لتحميل الضحايا مسؤولية أوضاعهم المعيشية، وتجاهلاً للظروف الاقتصادية التي تعيشها مناطق سيطرة الجماعة.
هروب من المسؤولية
ولم تقتصر ردود الفعل الحوثية على الخطاب الساخر، إذ لجأت شخصيات قيادية أخرى إلى تحميل أطراف خارجية مسؤولية الأزمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، قال "عبدالله النعمي"، وهو مستشار ما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى التابع للجماعة، إن ما تعانيه مناطق الحوثيين من أزمات إنسانية يعود إلى ما وصفه بـ"العدوان والحصار"، محذراً من انفجار الغضب الشعبي.
كما شارك نائب رئيس هيئة الإعلام الحوثية، "نصر الدين عامر"، في الرد على الحملة عبر منشورات ومقاطع مصورة أثارت بدورها انتقادات واسعة، بعدما شبّه المطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية ببني إسرائيل في مطالبتهم النبي موسى بتغيير الطعام، في محاولة لتأطير المطالب الاجتماعية ضمن سياقات دينية وسياسية.
"عامر" وهو رئيس تحرير وكالة "سبأ" بنسختها الحوثية، شارك "تغريدة" للقيادي في الجماعة "يحيى المحطوري" قال فيها: "يا موسى لن نَصْبِرَ على طَعَامٍ واحد، قالها بنو إسرائيل بلغة قاسية وأوداج منتفخة، ولكن في وجه موسى، وكان الأحرى بهم والأجدر أن يصرخوا بلن في وجه فرعون، لن نقبل باستضعافنا وقتلنا وحصارنا، وليس في وجه موسى".
إضافة إلى ذلك ظهر "عامر"في مقطع مصور يسخر من أحد جرحى جماعته، وذلك على هيئة اعتذارات مشروطة، وتحويل للقضية من وطنية سياسية واجتماعية واقتصادية إلى قضية حقوقية ومظلمة خاصة.
في هذا السياق حاول "حزام الأسد" عضو المكتب السياسي للحوثيين، التخفيف من وقع الأزمة، إذ كتب قائلاً "عجبت لمن لا يملك قوته ولا يخرج شاهراً سيفه ضد المملكة العربية السعودية".
جريح حوثي يتصدر المواجهة
مع ذلك واصلت حملة "أنا جاوع" اتساعها، متجاوزة حدود الشكوى المعيشية إلى حالة من التحدي العلني لقيادات الجماعة، بعد أن انضم إليها مقاتلون وجرحى وشخصيات محسوبة على الحوثيين، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية وما وصفوه بتجاهل معاناة المواطنين والعناصر المقاتلة. ومن بين أبرز الأصوات التي برزت في الحملة، جريح حوثي يدعى "عبدالإله الصايدي"، الذي ظهر في تسجيل مصور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، مهاجماً ما وصفه بتجاهل القيادات الحوثية لمعاناة الجرحى والمقاتلين وأسر القتلى.
ويعد "الصايدي" من أبناء مديرية معين في العاصمة صنعاء، فيما قُتل شقيقه دارس غالب عبده الصايدي أثناء القتال في صفوف الجماعة، ما منح رسالته صدى واسعاً داخل الأوساط المؤيدة للحوثيين.
وفي التسجيل المتداول، تعهد "الصايدي" بمواصلة رفع صوته وعدم التراجع عن المطالبة بحقوق الجرحى والمتضررين، رغم حملات الانتقاد التي استهدفته عقب ظهوره.
فنانو وشعراء الجماعة ينضمون إلى الحملة
ولم تقتصر ردود الفعل على العناصر المقاتلة، إذ انضم عدد من الشخصيات المحسوبة على الجماعة إلى دائرة الانتقاد، فقد ظهر الفنان "علي الكوكباني" في مقطع متداول يسخر من تصريحات محمد مفتاح، معتبراً أن الخطاب الرسمي الحوثي بات بعيداً عن واقع المواطنين ومعاناتهم اليومية.
كما دخل الشاعر الحوثي "محمد الجرموزي" على خط الجدل، مدافعاً عن "عبدالإله الصايدي" وموجهاً انتقادات مباشرة لقيادات الجماعة، حيث قارن بين أوضاع المقاتلين والجرحى وبين مستوى المعيشة الذي يتمتع به بعض المسؤولين الحوثيين.
وتساءل "الجرموزي" عن أسباب التفاوت المعيشي بين قيادات الجماعة وقواعدها، مشيراً إلى أن بعض المسؤولين يعيشون في منازل فاخرة، بينما يواجه كثير من المقاتلين وأسرهم أوضاعاً اقتصادية صعبة.
كما دعا إلى استقالة "محمد مفتاح"، متهماً شخصيات إعلامية مقربة من الجماعة بالدفاع عن الفساد والفشل بدلاً من معالجة المشكلات المتفاقمة.
سقف نقد الحوثيين يرتفع
وبالتوازي مع تصاعد الحملة، رفعت شخصيات سياسية مرتبطة بالحوثيين من سقف انتقاداتها للأداء الحكومي، حيث كتب "محمد المقالح"، العضو السابق في اللجنة الثورية العليا التابعة للجماعة، منشوراً انتقد فيه طريقة اختيار المسؤولين، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في تفضيل شخصيات لا تمتلك استقلالية أو قدرة على اتخاذ القرار.
من جهته، وجه "عقيل فاضل"، رئيس فرع حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة إب، انتقادات لاذعة لتصريحات "مفتاح"، متسائلاً عن أسباب مطالبة الموظفين بمواصلة العمل دون رواتب، في الوقت الذي يحصل فيه موظفون آخرون على مستحقاتهم بصورة منتظمة.
وقال "فاضل" إن المواطنين باتوا يشاهدون تفاوتاً واضحاً في المعاملة والفرص، الأمر الذي يزيد من حالة الإحباط وفقدان الثقة، متسائلاً عن جدوى الدعوات المتكررة للصبر في ظل استمرار الأزمات المعيشية.
أزمة تتجاوز الجوع
ويرى متابعون أن حملة "أنا جاوع" لم تعد مجرد احتجاج على الظروف الاقتصادية، بل تحولت إلى مؤشر على تصاعد الانتقادات داخل الأوساط المحسوبة على مليشيا الحوثي نفسها، خصوصاً مع مشاركة مقاتلين وجرحى وشخصيات كانت حتى وقت قريب جزءاً من خطاب الجماعة السياسي والإعلامي.
كما تعكس الحملة، وفق مراقبين، حجم الفجوة المتنامية بين القيادات العليا والقواعد الاجتماعية والعسكرية للجماعة، في وقت تواجه فيه مناطق سيطرتها أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، وسط تراجع قدرة الخطاب التعبوي على احتواء موجات السخط المتزايدة.
وبينما تواصل القيادات الحوثية إرجاع أسباب الأزمة إلى عوامل خارجية، تبدو حملة "أنا جوعان" أقرب إلى احتجاج داخلي على إدارة السلطة والثروة داخل مناطق سيطرة الجماعة، أكثر من كونها مجرد صرخة احتجاج على الأوضاع الاقتصادية.
ولا تكمن أهمية الحملة التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في مناطق سيطرة الحوثيين في حجم المشاركات أو طبيعة المطالب المعيشية التي ترفعها فحسب، بل في هوية الأشخاص الذين يقودونها ويدافعون عنها.
فخلافاً لموجات الاحتجاج السابقة التي اعتاد الحوثيون وصفها بأنها "مؤامرات خارجية" أو حملات تقودها أطراف معادية، برزت هذه المرة أصوات محسوبة على الجماعة نفسها، أو شاركت في القتال إلى جانبها، ما يجعل من الصعب توجيه الاتهامات التقليدية لها أو التشكيك في خلفياتها أمام الرأي العام.
دلالة التوقيت
ويكتسب الحراك الحالي أهمية إضافية بسبب توقيته، إذ جاء بعد انتهاء التوترات الإقليمية المرتبطة بالمواجهة الإيرانية الأمريكية، وهي التطورات التي كانت الجماعة وأنصارها يوظفونها عادة لتبرير الدعوات إلى تأجيل الانتقادات الداخلية أو تأطيرها ضمن أولويات المواجهة الخارجية.
ويرى مراقبون أن استمرار الاحتجاجات بعد انحسار تلك التطورات يعكس تراجع تأثير الخطاب التعبوي التقليدي، ويؤشر إلى أن الأزمات المعيشية باتت أكثر حضوراً لدى المواطنين والعناصر الحوثية من الشعارات السياسية والعسكرية.
محاولات احتواء
ومع تصاعد الغضب واتساع نطاق التفاعل مع الحملة، بدأت الجماعة في اتخاذ خطوات بدت بالنسبة للبعض محاولة لاحتواء حالة السخط المتنامية.
فقد وجهت وزارة داخلية الحوثيين المكاتب والمؤسسات الخاضعة لسيطرتها بعدم إغلاق المحلات التجارية أو الشركات إلا بموجب أحكام قضائية، في خطوة اعتبرها متابعون أول إشارة إلى تراجع جزئي أمام الشكاوى المتكررة للقطاع التجاري من إجراءات الإغلاق والمصادرة.
وفي موازاة ذلك، ظهر القيادي الموالي للحوثيين علي قرشة عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، متحدثاً عن وجود معالجات وخطط حكومية تستهدف الحد من الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة.
ورغم هذه التحركات، يرى متابعون أن التحدي الحقيقي أمام الحوثيين لا يتمثل في إدارة حملة إلكترونية عابرة، بل في اتساع رقعة الانتقادات داخل قواعدهم الاجتماعية والعسكرية نفسها.
فالحملة التي بدأت تحت شعار "أنا جاوع" تحولت تدريجياً إلى منصة للنقاش حول الفساد والامتيازات والتفاوت المعيشي، وهي ملفات تمس العلاقة بين القيادة والقواعد أكثر مما تتعلق بالأوضاع الاقتصادية العامة.
ولهذا، فإن أهمية الحملة لا تكمن فقط في مطالبها، بل في كونها كشفت للمرة الأولى منذ سنوات أصواتاً من داخل البيئة الحوثية تتحدث علناً عن الجوع والتهميش وسوء الإدارة، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة داخل مناطق سيطرتها.