الحوثيون بعد التفاهم الأمريكي الإيراني.. لماذا عاد خطاب الحرب؟
بعد أيام من دخول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ، أعلن الحوثيون ما وصفوه بـ"الجهوزية العسكرية الكاملة والفورية"، التزاماً بخطاب زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، الذي لوّح بالعودة إلى الخيار العسكري ضد السعودية والحكومة اليمنية.
وأثار هذا الإعلان جملة من التفسيرات؛ إذ يرى فريق من المراقبين أنه لا يعدو كونه رسالة تهديد تهدف إلى تحسين شروط التفاوض وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية، فضلاً عن كونه محاولة للهروب إلى الأمام من الاستحقاقات الداخلية المتراكمة تجاه المواطنين. في المقابل، يذهب آخرون إلى أن الإعلان يندرج في إطار دعم إيران خلال مسارها التفاوضي مع واشنطن، بوصفه إحدى أوراق الضغط المرتبطة بالملفات الخلافية بين الطرفين.
توقيت الإعلان ودلالاته الإقليمية الجديدة
ورغم أن خطاب التهديد والعودة إلى الحرب لم يغب عن تصريحات الحوثيين خلال الفترة الماضية، فإن الجديد هذه المرة يتمثل في توقيت الإعلان، الذي جاء متزامناً مع متغيرات إقليمية أكثر من ارتباطه بالمعطيات المحلية.
فالمطالب التي تضمنها البيان ليست جديدة، بل تكررت في الخطاب السياسي للجماعة، وتندرج ضمن سرديتها القائمة على تحميل الحكومة اليمنية والسعودية مسؤولية الأوضاع في مناطق سيطرتها، بما في ذلك ملف الرواتب وما تصفه بـ"الحصار" و"الاحتلال".
وفي الوقت الذي يطالب فيه الحوثيون بانتزاع الحقوق وصرف الرواتب، لا تزال الهدنة المعلنة منذ عام 2022 بين الجماعة والحكومة اليمنية والسعودية قائمة، وهي هدنة استفاد منها الحوثيون أكثر من الحكومة اليمنية نفسها. كما حافظت الجماعة طوال هذه الفترة على قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة مع الرياض، بهدف الإبقاء على التفاهمات الثنائية التي تجسّدت فيما يعرف بـ"خارطة الطريق"، والتي كشف نائب وزير الخارجية اليمني مصطفى النعمان أنها بدأت كمبادرة لولي العهد السعودي، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى خطة سلام برعاية الأمم المتحدة.
ولفهم أبعاد إعلان الحوثيين ودلالات توقيته، يحاول هذا التحليل تفكيك أبعاده السياسية والعسكرية، وقراءته في سياقيه المحلي والإقليمي، للوصول إلى فهم أكثر دقة للأهداف التي تقف وراءه.
التعبئة العامة ورسائل التهديد السياسية
ويأتي هذا الإعلان من ما يسمى بـ"قوات التعبئة العامة"، وهي شبكة تعبئة شعبية ذات طابع شبه عسكري أنشأها الحوثيون داخل مناطق سيطرتهم، عبر الأحياء والقرى والمدارس والجامعات والقبائل، بهدف إنشاء احتياطي بشري يمكن استدعاؤه للقتال عند الحاجة.
واتخذت هذه المنظومة طابعاً أكثر تنظيماً عقب اندلاع الحرب في غزة خلال أكتوبر 2023، تحت شعاري "طوفان الأقصى" و"معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس". وفي ديسمبر من العام نفسه، بدأت الجماعة تنظيم عروض عسكرية للدفعات الأولى من خريجي ما يعرف بـ"الدورات العسكرية المفتوحة".
ويمكن قراءة اختيار الحوثيين إصدار هذا الإعلان باسم "قوات التعبئة العامة" باعتباره أقرب إلى رسالة تهديد موجهة بالدرجة الأولى إلى السعودية، ثم إلى الحكومة اليمنية، عبر التلويح بالقوة العسكرية أكثر من كونه مؤشراً على قرار نهائي بالعودة إلى الحرب.
ويبدو أن الجماعة تعمّدت إسناد البيان إلى هذا التشكيل الشعبي في محاولة لإضفاء طابع جماهيري على قرارها وإظهاره وكأنه استجابة لضغط شعبي ورغبة مجتمعية، بما يعزز سرديتها التي تحمّل الأطراف الأخرى مسؤولية عدم صرف رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرتها، وتدهور الخدمات الأساسية، رغم سيطرتها على الموارد العامة للدولة وما تجبيه من ضرائب وجمارك وزكاة وإتاوات تحت مسميات مختلفة.
إلى جانب ذلك، تسعى الجماعة إلى إعادة تهيئة المجتمع نفسياً وإعلامياً لخلق مناخ يوحي بأن البلاد مقبلة على مواجهة عسكرية جديدة، بما يمنحها مبرراً للاستمرار في تأجيل الوفاء باستحقاقاتها الداخلية تجاه السكان، ويبرر استمرار حالة التعبئة والتجنيد، فضلاً عن تقليص الضغوط المطالبة بالإصلاحات الاقتصادية والخدمية.
كما يبعث هذا الإعلان برسالة مفادها أن الجماعة لا تزال متمسكة بخيار القوة، في وقت تتواصل فيه مساعي السلام التي يقودها المبعوث الأممي، وذلك بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على الهدنة التي أوقفت العمليات العسكرية، والتي كان يُفترض أن تمهد لعملية سياسية شاملة، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.
الهروب من الأزمات الداخلية المتفاقمة
ومن زاوية السياق المحلي، يمكن قراءة هذا الإعلان بوصفه محاولة لتحقيق عدة أهداف، يأتي في مقدمتها الهروب من الاستحقاقات الداخلية، وعلى رأسها الإصلاحات التي وعد بها زعيم الحوثيين قبل أكثر من عام، وروج لها باعتبارها مشروعاً سينتشل المواطنين من الأوضاع التي وصفها ب"المزرية".
غير أن تلك الوعود لم تتحقق، وظلت المطالب الشعبية تتصاعد، سواء من موظفي الدولة أو المواطنين، فيما واصلت الجماعة تبرير الإخفاقات بالقول إن البلاد تعيش حالة حرب. وقد استخدمت هذا المبرر خلال هجماتها على السفن في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023، ثم جاءت الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية في مناطق سيطرتها لتوفر لها مبرراً إضافياً لاستمرار خطاب الحرب.
واستمر هذا الخطاب حتى بعد توقف الهجمات عقب الاتفاق الذي جرى بين واشنطن والحوثيين برعاية سلطنة عُمان، ثم جاءت الحرب الإيرانية لتتحول بدورها إلى مبرر جديد تستخدمه الجماعة للهروب من تنفيذ وعودها والتزاماتها تجاه المواطنين.
وثمة عامل محلي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تصاعد القضايا التي شكلت ضغطاً سياسياً وإعلامياً على الحوثيين خلال الأشهر الماضية. وفي مقدمة هذه القضايا، قضية المرأة التي استنفرت قبائل دهم على خلفية استيلاء القيادي الحوثي فارس مناع على الفيلا التي كانت قد حصلت عليها من الدولة قبل الحرب. ولا تزال القضية مستمرة حتى اليوم، بعدما امتدت تداعياتها لأشهر، وعجزت الجماعة عن احتوائها رغم سجن المرأة والشيخ حمد بن فدغم الحزمي الذي لبّى نداء القبائل لنصرتها.
وتحوّلت هذه القضية إلى ما يشبه "رأس جبل الجليد" الذي يخفي تحته ملفات أخرى تعكس، بغض النظر عن تفاصيلها وخلفياتها، حجم الاحتقان الشعبي والشعور بالظلم والبطش داخل مناطق سيطرة الجماعة. كما تزامنت مع احتجاجات مزارعي القمح في محافظة الجوف، الذين يواصلون اعتصامهم في صنعاء للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة منذ ثلاثة أشهر، إلى جانب قضايا أخرى مشابهة تعكس تنامي الضغوط الداخلية.
ويضاف إلى ذلك تفاقم التداعيات الإنسانية والاقتصادية الناتجة عن توقف جانب كبير من برامج ومشاريع المنظمات الدولية والأممية، عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي كانت تعد أحد أكبر ممولي المشاريع الإنسانية في اليمن خلال السنوات الماضية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الفئات التي كانت تعتمد على تلك المساعدات.
الحسابات الإيرانية وضغوط المرحلة المقبلة
أما على المستوى الإقليمي، فيبدو أن الحوثيين يشعرون بقدر من الضغط عقب انتهاء الحرب الإيرانية، ودخول مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ، تمهيداً لجولة جديدة من المفاوضات بين البلدين.
ورغم أن الحوثيين لم ينخرطوا في تلك الحرب على النحو الذي انخرطوا به في أزمة البحر الأحمر، فإنهم استفادوا منها سياسياً وإعلامياً من خلال استمرار التعبئة الشعبية، وتنظيم الفعاليات الأسبوعية، وتوسيع عمليات التجنيد، وخلق مناخ يوحي بأن المنطقة تقف على أعتاب حرب شاملة.
وبانتهاء الحرب في إيران، وقبلها انحسار المواجهات في لبنان وغزة، بدأت تتراجع الذرائع الإقليمية التي استثمرتها الجماعة طوال العامين الماضيين لتبرير استمرار التعبئة العسكرية، وتأجيل الإصلاحات الداخلية والتنصل من المطالب الشعبية المتعلقة بالخدمات والرواتب والأوضاع المعيشية.
وبحسب مصدر مقرب من جماعة الحوثيين تحدث لمنصة "الهدهد" شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن الجماعة كانت تتمنى انتهاء الحرب الإيرانية سريعاً خشية اتساعها ووصولها إلى حد إسقاط النظام الإيراني، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات كبيرة على الحوثيين و"محور المقاومة" الذي تقوده طهران. وفي الوقت ذاته، كانت تستفيد من استمرار الحرب بوصفها مبرراً لإبقاء حالة التعبئة وخلق صورة دائمة لوجود عدو خارجي.
ويقول المصدر: "الحوثيون كانوا يخشون سقوط النظام الإيراني، لكنهم في الوقت نفسه يخشون أيضاً تداعيات أي اتفاق ينهي الحرب، لأن ذلك سيعيد توجيه الأنظار إلى أوضاعهم الداخلية".
وعند سؤاله عن هذه المعادلة، أوضح المصدر أن الحوثيين كانوا يدركون أن إسقاط النظام الإيراني ــ لو حدث ــ سيشكل ضربة استراتيجية لهم، خصوصاً أن تغيير النظام كان هدفاً معلناً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الحرب، كما أن حجم الضربات التي تعرضت لها إيران، واستهداف منشآتها العسكرية وعدد كبير من كبار قادتها، مثّل أكبر تحدٍ يواجه النظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
وأضاف أن الجماعة كانت ترى أن أي تغيير جذري في إيران ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبلها، حتى وإن لم يؤدِ بالضرورة إلى انهيار سلطتها في اليمن، لأنه سيقود تدريجياً إلى تراجع مصادر الدعم السياسي والعسكري وسيضعها أمام استحقاقات داخلية لم يعد بالإمكان تأجيلها.
وتابع المصدر: "حتى لو لم يسقط النظام الإيراني، فإن انتهاء الحروب الإقليمية يضع الحوثيين أمام سؤال المواطنين من جديد. انتهت حرب غزة، وتوقفت عمليات البحر الأحمر، ثم انتهت الحرب الإيرانية، فما هو المبرر الجديد؟ طوال السنوات الماضية كانت الجماعة تربط كل إخفاق داخلي بوجود عدو خارجي، لكن اليوم معظم الجبهات الإقليمية تتجه نحو التهدئة أو التسوية، والهدنة مع السعودية مستمرة منذ عام 2022، ولم يعد من السهل استخدام الخطاب نفسه لإقناع الناس".
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم إعلان "الجهوزية الكاملة" باعتباره جزءاً من محاولة الحوثيين إعادة إنتاج حالة التهديد الخارجي، وربطها بالسياقين المحلي والإقليمي في آن واحد. فمن جهة، تسعى الجماعة إلى استباق تصاعد الضغوط الداخلية، ومن جهة أخرى تحاول تقديم نفسها مجدداً باعتبارها أحد أذرع "محور المقاومة"، بما يعزز موقعها ضمن الحسابات الإيرانية والإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب.
ابتزاز السعودية بأوراق القوة العسكرية
وفي هذا السياق، يحاول الحوثيون أيضاً تقديم أنفسهم كورقة ضغط إيرانية إضافية في مرحلة ما بعد الحرب، مستفيدين مما يمتلكونه من قدرات عسكرية، تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن سيطرتهم على محافظة الحديدة وساحل البحر الأحمر، بما يمنحهم القدرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما حدث خلال عامي 2024 و2025.
وفي الوقت نفسه، تستخدم الجماعة التلويح بالعودة إلى الحرب كورقة ضغط على السعودية لدفعها إلى المضي قدماً في تنفيذ "خارطة الطريق" التي جرى التوصل إليها بين الطرفين، قبل أن تتعثر نتيجة انخراط الحوثيين في هجمات البحر الأحمر، وما ترتب عليها من تصنيف أمريكي للجماعة منظمة إرهابية أجنبية.
ويُعد هذا التصنيف أحد أبرز العوائق أمام تنفيذ البنود الاقتصادية التي تضمنتها خارطة الطريق، وفي مقدمتها المقترح المتعلق بتمويل رواتب موظفي الدولة. فبحسب ما كان مطروحاً في المفاوضات، كانت الخطة تتضمن توفير نحو 1.3 مليار دولار لتغطية الرواتب، غير أن التصنيف الأمريكي يفرض قيوداً قانونية ومالية تمنع تقديم أي تمويل قد تستفيد منه جهة مصنفة على قوائم الإرهاب، وهو ما جعل تنفيذ هذا البند شبه مستحيل دون تفاهمات مباشرة مع الولايات المتحدة.
ومن ثم، لم تعد القضية مرتبطة بالعلاقة بين الحوثيين والسعودية وحدها، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالموقف الأمريكي، الأمر الذي يجعل أي تسوية اقتصادية أو سياسية شاملة بحاجة إلى تفاهمات تتجاوز الإطار الثنائي بين الرياض والحوثيين.
وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن الجماعة تحاول، عبر التصعيد الإعلامي والعسكري، ابتزاز السعودية سياسياً لدفعها إلى البحث عن آليات جديدة لتقديم الدعم، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خصوصاً في ظل استمرار الرياض في تقديم الدعم المالي للحكومة اليمنية، سواء عبر تمويل رواتب بعض المؤسسات، أو دعم قطاع الكهرباء والخدمات الأساسية.
ويتزامن هذا التصعيد أيضاً مع استئناف أعمال اللجنة العسكرية المشتركة التي تضم الحوثيين والحكومة اليمنية والسعودية، والتي يُتوقع أن تعقد جولة جديدة من اجتماعاتها خلال يوليو المقبل، بالتوازي مع استمرار الجهود الخاصة بملف الأسرى والمحتجزين.
وبناءً على ذلك، فإن إعلان الحوثيين الجهوزية العسكرية لا يمكن قراءته بوصفه مؤشراً على قرار وشيك باستئناف الحرب بقدر ما يعكس محاولة لإعادة إنتاج أوراق الضغط في لحظة إقليمية متغيرة. وفي هذا السياق، يجد الحوثيون أنفسهم اليوم أمام بيئة تختلف جذرياً عن تلك التي سادت خلال العامين الماضيين؛ إذ تراجعت ساحات الصراع الإقليمي التي منحتها هامشاً واسعاً للمناورة، بينما تتزايد الضغوط الداخلية المرتبطة بالاقتصاد والخدمات والرواتب وبين هذين المسارين، يبدو أن التلويح بالحرب أصبح أداة لإدارة الأزمات أكثر منه تعبيراً عن قرار عسكري محسوم.