باحثون لـ"الهدهد": الحوثيون حوّلوا "عاشوراء" إلى أداة تعبئة.. وهذه 5 مسارات لمواجهة السردية الطائفية

2026-06-25 21:41 الهدهد - خاص
عاشوراء والحوثيون
عاشوراء والحوثيون

لم تعد المناسبات الدينية تقتصر على بعدها التعبدي والروحي، إنما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى ساحات الصراع الفكري والسياسي، في ظل سعي مليشيا الحوثي إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي وتوظيف الرموز والأحداث التاريخية في خدمة مشروعها الأيديولوجي.

وفي هذا السياق، أجرت منصة "الهدهد" استطلاعاً فكرياً، مع عدد من الأكاديميين والباحثين اليمنيين، للوقوف على التأصيل الشرعي لذكرى عاشوراء، وقراءة أبعاد الخطاب الحوثي المرتبط بالمناسبة، إضافة إلى استكشاف السبل الكفيلة بحماية الهوية الوطنية وتحصين الأجيال من السرديات الطائفية المستوردة.

تأصيل شرعي 

وفي قراءته للجذور الدينية والتاريخية ليوم عاشوراء، أكد الباحث واللواء الدكتور "حمود الخرام"، أن الأصل الشرعي للمناسبة يرتبط بشكر الله تعالى على نجاة نبيه موسى وقومه من فرعون وجنده، وهو المعنى الذي دلت عليه النصوص الصحيحة، وصامه النبي "محمد صلى الله عليه وسلم" وأمر بصيامه.

وأوضح "الخرام" في حديثه  لـ "الهدهد"، أن المسلمين يجمعون على أن الإمام الحسين بن علي قُتل مظلوماً شهيداً، وأن مقتله يمثل واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ الأمة الإسلامية، إلا أن تحويل هذه الذكرى إلى مآتم وشعائر مخصوصة لا يجد له سنداً في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عمل الصحابة رضي الله عنهم.

وأضاف أن الربط بين يوم عاشوراء ومقتل الحسين ما يزال محل نقاش تاريخي بين المؤرخين، في ظل اختلاف الروايات بشأن بعض التفاصيل الزمنية المرتبطة بالحادثة، مشيراً إلى أنه حتى مع التسليم بوقوع الحدث في اليوم ذاته، فإن العقيدة الإسلامية تنظر إلى ما جرى باعتباره قدراً من أقدار الله تعالى.

وفي معرض حديثه عن الخلفية التاريخية لمقتل الحسين، لفت "الخرام" إلى أن المصادر التاريخية المتداولة تذكر أن من راسل الحسين ودعاه إلى القدوم ثم تخلى عنه كانوا من أهل الكوفة الذين عُرفوا آنذاك بميلهم السياسي إلى والده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو ما تناوله عدد من المؤرخين والباحثين في دراسات متعددة تناولت ملابسات الواقعة وتداعياتها التاريخية.

ويرى أن استدعاء واقعة كربلاء داخل الخطاب الحوثي لا يقتصر على البعد الديني، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة إنتاج مفهوم "المظلومية" بوصفه أداة تعبئة سياسية واجتماعية، يتم من خلالها ربط الصراع الراهن بأحداث تاريخية مضى عليها أكثر من ألف عام، بما يساهم في تعزيز الولاءات الأيديولوجية وإضفاء مشروعية رمزية على المشروع السياسي للجماعة.

وأشار إلى أن توظيف ذكرى الحسين في الخطاب السياسي المعاصر يمثل قضية فكرية وتاريخية معقدة، ترتبط بتطور الفكر الزيدي والإمامي عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وكيفية استثمار بعض الأحداث التاريخية في بناء السرديات السياسية والدعائية، وهي قضية تناولتها عشرات الدراسات والبحوث المتخصصة التي رصدت تحولات الخطاب المذهبي وأثره في تشكيل الوعي المجتمعي.

من مناسبة دينية إلى منصة للتعبئة السياسية

وفي قراءته لأبعاد توظيف مليشيا الحوثي لذكرى عاشوراء، يرى الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور "عمر ردمان" أن الجماعة لا تنظر إلى المناسبة باعتبارها حدثاً دينياً فحسب، بل تتعامل معها كإحدى أهم أدوات التعبئة الفكرية والعسكرية التي توظفها سنوياً لخدمة مشروعها السياسي.

وقال ردمان لـ"الهدهد" إن الجماعة اعتادت استغلال المناسبات الدينية والمذهبية لتحويلها إلى منصات للتحريض الطائفي والحشد العسكري، معتبراً أن عاشوراء تمثل نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، حيث جرى بحسب وصفه انتزاع المناسبة من سياقها الديني المرتبط بنجاة نبي الله موسى عليه السلام وقومه من فرعون، وإعادة توظيفها ضمن خطاب سياسي وأيديولوجي يخدم مشروع الجماعة القائم على فكرة "الحق الإلهي" في الحكم.

وأوضح أن الخطاب الحوثي يربط بصورة مستمرة بين واقعة مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه والصراع الدائر في اليمن، عبر تقديم حادثة كربلاء بوصفها مرجعية سياسية معاصرة يتم إسقاطها على الواقع الحالي، بما يعزز سردية المظلومية التاريخية التي تتبناها الجماعة.

وبحسب ردمان، فإن هذا الخطاب يسعى إلى تصوير المعركة التي تخوضها الجماعة باعتبارها امتداداً لما يصفه الحوثيون بثورة الحسين، من خلال الربط بين شخصيات ورموز تاريخية وبين قيادات الجماعة في الوقت الراهن، الأمر الذي يهدف إلى إضفاء بعد ديني على الصراع السياسي والعسكري، وترسيخ قناعة لدى أتباع الجماعة بأن المواجهة الحالية تحمل طابعاً عقائدياً يتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي.

ويرى الباحث اليمني أن هذا التوظيف ينعكس بصورة مباشرة على عمليات التجنيد والحشد، إذ يتم تقديم المشاركة في القتال باعتبارها جزءاً من معركة تاريخية مستمرة، وهو ما يمنح الخطاب التعبوي للجماعة زخماً إضافياً داخل أوساط أنصارها ومقاتليها.

وأشار ردمان إلى أن هذه المنهجية لا تقتصر على عاشوراء وحدها، بل تمتد إلى مناسبات أخرى تحرص الجماعة على إحيائها بصورة مكثفة، مثل الغدير والمولد النبوي ويوم الشهيد ويوم الصرخة، والتي تحولت بحسب قوله، إلى مواسم للتعبئة الفكرية والحشد الجماهيري وجمع الأموال، فضلاً عن كونها أدوات لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي بما يتوافق مع المشروع الأيديولوجي للحوثيين.

وحذر في ختام حديثه  لـ "الهدهد"، من تداعيات استمرار هذا النهج على الهوية الوطنية اليمنية، معتبراً أن توظيف المناسبات الدينية في الصراعات السياسية والطائفية من شأنه تعميق الانقسامات داخل المجتمع، وخلق مزيد من التوترات التي تهدد النسيج الاجتماعي، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى تعزيز قيم الدولة الوطنية والحفاظ على الهوية الجامعة لليمنيين.

ما الاستراتيجية المقترحة لتحصين المجتمع؟

عن سبل مواجهة الخطاب الحوثي والسرديات المرتبطة بعاشوراء، يرى مدير عام مكتب التربية والتعليم بأمانة العاصمة ومدير مؤسسة القلم للفكر والثقافة، "عبدالحليم الهجري"، أن التعامل مع هذه القضية لا ينبغي أن يقتصر على الردود السياسية أو المواقف الانفعالية، بل يتطلب مشروعاً معرفياً وتربوياً متكاملاً يستند إلى أسس علمية وشرعية قادرة على معالجة جذور المشكلة.

وقال "الهجري" لـ"الهدهد" إن السردية الحوثية تقوم بصورة أساسية على إعادة إنتاج مفاهيم المظلومية التاريخية والحق الإلهي في الحكم، من خلال قراءة انتقائية للأحداث التاريخية وتوظيفها في خدمة مشروع سياسي معاصر، وهو ما يستدعي ـ بحسب تعبيره ـ بناء خطاب علمي رصين قادر على تفكيك هذه الروايات وإخضاعها للبحث والنقد والتحليل.

وأوضح أن المواجهة الفكرية تبدأ من اعتماد منهج التحقق العلمي في دراسة الروايات التاريخية المرتبطة بقضايا الإمامة وكربلاء والمظلومية والولاية، من خلال العودة إلى مناهج علماء الحديث والتاريخ في فحص الأسانيد ونقد المتون ومقارنة الروايات وتحليل السياقات السياسية التي نشأت فيها، بما يتيح التمييز بين الوقائع التاريخية وبين التفسيرات الأيديولوجية التي أُلحقت بها لاحقاً.

ويرى الهجري أن من أبرز التحديات المطروحة اليوم كشف آليات التوظيف السياسي للتاريخ، وتوضيح الفارق بين الأحداث التاريخية بوصفها جزءاً من الذاكرة الإسلامية وبين تحويلها إلى أدوات للصراع السياسي المعاصر. وفي هذا السياق، يشدد على أهمية تقديم شخصيات ورموز التاريخ الإسلامي بعيداً عن القراءات الطائفية أو السلالية، وإعادة النقاش إلى الأطر الشرعية والمعرفية التي تؤكد قيم العدالة والشورى والمساواة بين المسلمين.

إعادة بناء الوعي الجمعي

ويؤكد "الهجري" أن تحصين المجتمع من الخطابات المؤدلجة يتطلب الانتقال من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة بناء الوعي، عبر ترسيخ ثقافة معرفية قائمة على التفكير النقدي والقدرة على فحص المعلومات وتحليل الروايات التاريخية ومساءلة مصادرها وخلفياتها الفكرية والسياسية.

كما دعا إلى تعزيز ارتباط الأجيال الناشئة بالقرآن الكريم ومقاصده العامة، وإبراز القيم الجامعة التي يؤسس لها الإسلام، وفي مقدمتها العدل والمساواة والشورى، إلى جانب إعادة الاعتبار للتاريخ اليمني المشترك وإسهامات علمائه وقادته ورموزه الوطنية، بما يعزز الهوية الوطنية الجامعة ويحد من محاولات احتكار التاريخ أو المجد في إطار سلالي أو فئوي ضيق.

ولفت إلى أن بناء الوعي لا يقتصر على المؤسسات التعليمية والدينية فحسب، بل يتطلب أيضاً صناعة نماذج وقدوات معاصرة في مجالات العلم والفكر والعمل الوطني، قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة قريبة من اهتماماتها وتحدياتها.

 5 مسارات للمواجهة

ويطرح "الهجري" رؤية عملية تقوم على خمسة مسارات متوازية لمواجهة الخطاب الحوثي، تبدأ بالمسار العلمي من خلال إعداد الدراسات النقدية وتحقيق النصوص التاريخية ونشر البحوث الأكاديمية المحكمة، مروراً بالمسار الدعوي الذي يعتمد على الخطب والدروس والبرامج التوعوية الموسمية.

كما تشمل الرؤية المسار التربوي عبر تطوير المناهج والبرامج التعليمية التي تعزز مفاهيم المواطنة والشورى والتحصين الفكري، إلى جانب المسار الإعلامي القائم على إنتاج محتوى رقمي ووثائقي مبسط يستهدف فئة الشباب ويخاطبهم بأدوات العصر.

أما المسار الخامس، فيتمثل في العمل المجتمعي الذي يركز على تفعيل دور الأسرة والمسجد والمبادرات الشبابية ومنظمات المجتمع، بهدف ترسيخ الوعي العام وتعزيز القدرة على التمييز بين الدين باعتباره منظومة قيمية وروحية، وبين التوظيف السياسي والأيديولوجي للنصوص والمناسبات الدينية.