"من تغدى بكذبة ما تعشى بها".. كيف أسقطت قبيلة أرحب رواية الحوثيين في قضية ميرا صدام حسين؟

2026-06-30 11:32 الهدهد/خاص:
"من تغدى بكذبة ما تعشى بها".. كيف أسقطت قبيلة أرحب رواية الحوثيين في قضية ميرا صدام حسين؟

"من تغدى بكذبة ما تعشى بها".. مثل يمني معروف ينطبق اليوم على جماعة الحوثي في قضية ميرا صدام حسين، التي تصرّ الجماعة على تسميتها "سمية"، وتزعم أنها تنتمي إلى أسرة الزبيري في مديرية أرحب شمال العاصمة صنعاء.

غير أن قبيلة الزبيرات لم تكتفِ بنفي انتساب ميرا إليها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، عندما أكدت أنه لا وجود أساساً للشخص الذي تدّعي الجماعة أنه والدها، في صفعة جديدة للرواية الحوثية التي حاولت من خلالها تأليب القبائل ضد بعضها البعض، والحشد باسم قضية يتضح يوماً بعد آخر أنها لم تكن سوى شعار جديد لاستثمار القبائل وتوجيهها لخدمة أهداف الجماعة.

سقوط الرواية من داخل القبيلة

وخلال التجمع القبلي الذي دعا إليه الحوثيون، عبر أبرز قياداتهم ممثلين بفارس الحباري وشمسان أبو نشطان، في مديرية أرحب يوم الاثنين 29 يونيو/حزيران 2026، في محاولة لحشد القبائل في مواجهة النّكف القبلي الذي أعلنه الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، وتوافدت على إثره قبائل من مختلف المحافظات إلى مطارح الكرامة بمنطقة الريان في صحراء الجوف، حدث ما لم يكن الحوثيون يتوقعونه.

فبدلاً من أن يتحوّل التجمع إلى منصة لتسويق رواية الجماعة، انبرى عدد من مشايخ الزبيرات للحديث، بينهم الشيخ عبدالواحد الجرادي، ونفوا بشكل قاطع، حتى عبر القنوات التي تديرها الجماعة، ما قاله فارس الحباري في كلمته، حين زعم أن ميرا صدام حسين تنتمي إلى آل الزبيري. بل إن الحباري نفسه بدا غير جازم في حديثه عندما قال: "هي بنتنا كيفما كانت"، وهو ما رفضه مشايخ القبيلة بصورة قاطعة، مؤكدين أن هذه المرأة لا تنتسب إليهم، ولا يوجد في القبيلة أصلاً شخص يحمل الاسم الذي نسبت الجماعة إليه والدها.

وأدى هذا الموقف إلى توتر حاد داخل التجمع، وكادت تقع اشتباكات لولا تدخل وساطات قبلية حالت دون تطور الموقف، إلا أن ما حدث شكّل فضيحة مدوية للحوثيين، بعدما جاءت نتائج الفعالية معاكسة تماماً لما خططوا له، إذ فضحهم أبناء القبيلة أنفسهم، وأسقطوا الركيزة الأساسية التي قامت عليها روايتهم.

لكن هذه الفعالية لم تفضح الرواية الحوثية فحسب، بل قضت على ما تبقى منها أمام الرأي العام اليمني، بعدما فشلت مختلف الإجراءات التي اتخذتها الجماعة لتسويقها وإقناع الناس بها.

رد فعل الحوثيين بالاختطافات بعد الفشل

وعقب انتهاء التجمع، دفعت الجماعة بعدد من الأطقم العسكرية لمداهمة منازل عدد من مشايخ الزبيرات، واختطفت ثلاثة من كبار المشايخ هم

الشيخ عبدالواحد الجرادي، والشيخ حسن الجرادي، والشيخ فهد محسن الجرادي، إلى جانب عدد من مشايخ وعقال قبيلة الزبيرات، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بأنها عقاب مباشر لهم على مواقفهم التي دحضت رواية الجماعة وفضحتها أمام الحاضرين ومن خلال المنصات الإعلامية التي غطت الفعالية.

وكان لافتاً أن المشايخ الذين أسقطوا الرواية فعلوا ذلك من المكان نفسه الذي أراد الحوثيون أن يرسخوا فيه سرديتهم، لتتحوّل المناسبة إلى انتكاسة سياسية وإعلامية للجماعة، بعدما انقلبت المنصة التي أعدتها لتأييدها إلى منصة لتفنيد مزاعمها.

وأثارت الواقعة تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، مدعومة بمقاطع فيديو وصور وثقت كلمات المشايخ والمتحدثين، وانتشرت بسرعة كبيرة، ما زاد من حالة الغضب الشعبي تجاه الجماعة، ودفع مزيداً من القبائل إلى إعلان التوجه نحو مطارح الكرامة استجابة لدعوة النّكف القبلي.

انتقادات من داخل المعسكر الحوثي

ولم يقتصر الإحراج الذي تعرّض له الحوثيون على مواقف مشايخ الزبيرات أو ردود الفعل القبلية، بل امتد إلى أصوات محسوبة على الجماعة نفسها، رأت أن الطريقة التي أُدير بها الملف ألحقت ضرراً بروايتها.

فقد انتقد الكاتب والسياسي المحسوب على الحوثيين محمد المقالح تعامل الجماعة مع القضية، مؤكداً أن "النكف القبلي طوعي، ولا يصح للسلطة أن تُجبر الناس على النكف القبلي أو تعمل نكفاً مقابل نكف"، داعياً جماعته إلى الاستماع للحقيقة وعدم الهروب منها.

كما ظهر القيادي في جماعة الحوثي فارس أبو بارعة في مقطع فيديو انتقد فيه الأسلوب الذي تعاملت به الجماعة، معتبراً أن الاستعجال في إنهاء القضية وإجبار أحد أبناء قبيلة الزبيرات على الإقرار بأن ميرا تنتمي إلى القبيلة، جعل الجماعة تبدو "بمظهر الكاذب" بعد أن خرج مشايخ أرحب ونفوا وجود أي صلة نسب بينها وبين القبيلة.

وتكشف هذه الانتقادات، الصادرة من شخصيات محسوبة على الجماعة، حجم الإرباك الذي أحدثته القضية داخل الأوساط المؤيدة للحوثيين، بعدما انتهت محاولة تثبيت الرواية الرسمية إلى نتائج معاكسة، وأضعفت صدقيتها أمام الرأي العام والوسط القبلي.

النكف القبلي يُفشل آخر أوراق الحوثيين

وفي المقابل، رد الشيخ حمد بن فدغم الحزمي على كلمة فارس الحباري بكلمة اتسمت بالهدوء والثبات، مستحضراً الأعراف والأسلاف القبلية، ومذكراً بتاريخ قبيلة أرحب ومكانتها في المجتمع اليمني، معتبراً أن ما قام به الحباري لا يسيء إلى القضية فحسب، بل يلحق العار بقبيلة عريقة عُرفت عبر التاريخ بنصرة المظلوم.

وأكد الشيخ حمد أن ادعاء الحباري يتناقض مع الوقائع، متسائلاً: إذا كانت ميرا صدام حسين بالفعل ابنة أحد أبناء أرحب، فأين كان الحباري نفسه عندما كانت المرأة تتنقل بين القبائل بحثاً عن الإنصاف؟ وأين كان عندما أمضى الشيخ حمد أكثر من خمسين يوماً في سجون الحوثيين بسبب هذه القضية؟

وأضاف متسائلاً: إذا كانت، كما يدعي الحوثيون، ابنتكم، فلماذا لم يزرها أحد منكم في السجن؟ ولماذا لم يتبنَّ أحد قضيتها إلا بعد أن تحوّلت إلى قضية رأي عام وتحركت القبائل لنصرتها؟

كما توعد الشيخ حمد الحوثيين بما وصفه بـ"المفاجأة" التي ستسر أبناء اليمن، إذا استمرت الجماعة في منع المرأة من الوصول إلى قبائل دهم، مؤكداً أن ميرا تُعد "ربيعة" للقبائل، وأنه لا هو ولا القبائل سيتخلون عنها حتى تنال حقها.

ورغم محاولة الحوثيين قلب المشهد القبلي عبر الدعوة إلى تجمع مضاد للنكف القبلي، فإن الحشد جاء هزيلاً مقارنة بحجم الحشود المتوافدة إلى مطارح الكرامة، وبدا معزولاً، رغم امتلاك الجماعة أدوات السلطة وسيطرتها على مؤسسات الدولة في صنعاء والمحافظات الخاضعة لها.

وكان الحوثيون يعوّلون على منح روايتهم شيئاً من المصداقية على لسان أبناء أرحب وقبيلة الزبيرات، إلا أن ما حدث جاء بعكس ما أرادوا تماماً، إذ لم يكتفِ أبناء القبيلة بنفي انتساب ميرا إليهم، بل نفوا أيضاً وجود الشخص الذي تزعم الجماعة أنه والدها، وهو ما أسقط آخر ورقة كانت الجماعة تحاول الاحتماء بها لتبرير روايتها وتضليل الرأي العام.

وبذلك، سقطت آخر ركائز السردية الحوثية، بعدما رفضت القبيلة أن تُستخدم اسماً وغطاءً لقضية لا تمت إليها بصلة، في مشهد يعيد إلى الأذهان المثل اليمني الشهير: "من تغدى بكذبة ما تعشى بها".

فكما استخدمت جماعة الحوثي، خلال السنوات الماضية، شعارات متعددة لحشد القبائل والزج بها في معارك تخدم مشروعها السياسي، سواء تحت لافتة فلسطين أو قضايا المظلومية أو غيرها، حاولت هذه المرة استثمار قضية امرأة لتكرار الأسلوب ذاته. لكنها اصطدمت برفض قبيلة أرحب، وفي مقدمتها الزبيرات، التي نفت في بيان رسمي أي صلة نسب لميرا صدام حسين، ورفضت أن تُحمَّل مسؤولية أزمة لا علاقة لها بها.

في النهاية، أراد الحوثيون أن يجعلوا من أرحب منصة لتثبيت روايتهم، فتحوّلت إلى المكان الذي انهارت فيه تلك الرواية، وأرادوا استخدام القبيلة غطاءً لأزمتهم، فإذا بالقبيلة نفسها تسقط السردية التي سعوا إلى ترسيخها. وبينما انتهت الفعالية باختطاف عدد من المشايخ والوجهاء، كانت النتيجة الأبرز أن الجماعة خسرت معركة الرواية والغطاء القبلي معاً.