من "انتهى" إلى "سنرد بقوة غير مسبوقة".. هل تعلن السعودية نهاية التهدئة مع الحوثيين؟

2026-07-04 10:09 الهدهد/خاص:
من "انتهى" إلى "سنرد بقوة غير مسبوقة".. هل تعلن السعودية نهاية التهدئة مع الحوثيين؟

لم يكن البيان الأخير لقيادة القوات المشتركة للتحالف لافتاً بسبب لهجته التصعيدية فحسب، ولا لأنه توعد الحوثيين برد "بحزم وقوة غير مسبوقة"، بل لأن البيان أعاد إلى الأذهان رسالة سابقة لوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، انتهت بالكلمة نفسها: "انتهى". 

وبين الرسالتين لا يتكرر اللفظ فحسب، بل يتكرر أيضاً سياق سياسي بالغ الحساسية من وجهة نظر بعض المراقبين الذين يرون أن كلمة "انتهى" لم تعد مجرد خاتمة لبيان رسمي، بل أصبحت جزءاً من أسلوب سعودي في توجيه الرسائل عندما تصل مسارات الحوار إلى نهايتها، أو عندما تريد الرياض أن توحي بأن ما بعدها لن يكون كما قبلها. ومن هنا يبرز التساؤل: هل تحمل الرسالة الأخيرة إشارة إلى اقتراب نهاية مرحلة التهدئة مع الحوثيين؟

رسالة انتهت بالفعل

عندما نشر الأمير خالد بن سلمان رسالته إلى اليمنيين في 27 ديسمبر 2025، لم يكن يخاطب المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه خصماً، بل بوصفه حليفاً ضمن معسكر الشرعية، ومع ذلك، جاءت رسالته حاسمة، إذ دعا قوات المجلس إلى الانسحاب من حضرموت والمهرة وتسليمهما لقوات درع الوطن والسلطة المحلية، ثم ختمها بكلمة واحدة: "انتهى".

ولم تمضِ سوى أيام حتى تحوّلت الرسالة إلى واقع ميداني، إذ دعمت السعودية عملية عسكرية انتهت بإخراج قوات المجلس من المحافظتين، قبل أن تتسارع التطورات السياسية ضد رئيس المجلس عيدروس الزُبيدي وصولاً إلى إسقاط عضويته في مجلس القيادة الرئاسي وإحالته للمحاكمة، ثم إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في اليمن.

ولم تكن دلالة هذه الكلمة مجرد قراءة سياسية خارجية، بل أصبحت لاحقاً جزءاّ من الخطاب الإعلامي الرسمي السعودي نفسه. ففي 12 يناير 2026 بثت قناة الإخبارية السعودية تقريراً بعنوان "ماذا يعني أن تقول السعودية: انتهى؟"، اعتبرت فيه أن كلمة "انتهى" ليست مجرد خاتمة لغوية، بل "كلمة دولة وصرامة موقف"، وأنها تعني أن مرحلة الصبر والحوار بلغت نهايتها، وأن ما بعدها يختلف عما قبلها. وأضاف التقرير أن المملكة قالت عبر وزير دفاعها ما لم تكتبه نصاً وأنها وجهت "رسالة الإنذار النهائي"، قبل أن يختتم التقرير بالقول إن المملكة حولت الكلمة إلى فعل خلال ست وستين ساعة فقط.

هذه القراءة الصادرة عن وسيلة إعلام حكومية تمنح الكلمة دلالة سياسية تتجاوز التفسير اللغوي، لأنها تعكس الكيفية التي أرادت بها الدولة السعودية أن تُفهم رسالتها، وليس فقط كيف قرأها الآخرون.

وإذا كانت الرسالة الأولى قد أعقبتها إجراءات عسكرية وسياسية غيرت الوقائع على الأرض خلال أيام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت الرسالة الثانية تمهد لتحوّل مماثل في التعاطي السعودي مع الحوثيين.

تحوّل الخطاب السعودي

هنا تبرز أهمية بيان قيادة القوات المشتركة للتحالف يوم السبت 4 يوليو 2026، الذي لم يكتفِ بالحديث عن رد "بحزم وقوة غير مسبوقة"، بل حمل أيضاً تحولاً واضحاً في الرواية السعودية بشأن مسار السلام.

فمنذ هدنة عام 2022، بنت السعودية استراتيجيتها على خفض التصعيد، وفتحت قناة تفاوض مباشرة مع الحوثيين بوساطة سلطنة عُمان، وأثمرت تلك المفاوضات عن مشروع خارطة الطريق، الذي كان يفترض أن يشكل مدخلاً لإنهاء الحرب، وتضمن ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية، كان من أبرزها معالجة ملف الرواتب ووقف إطلاق النار.

وخلال تلك الفترة، كانت الرياض تتجنب تحميل الحوثيين مسؤولية تعثر الاتفاق بصورة مباشرة، بينما كان الحوثيون يكررون اتهام المملكة بالمماطلة في تنفيذه، خصوصاً بعد انخراط الجماعة في استهداف الملاحة البحرية على خلفية حرب غزة، وما أعقبه من إعادة تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية من قبل الولايات المتحدة، وهو ما يجعل تنفيذ بعض الجوانب الاقتصادية من خارطة الطريق أكثر تعقيداً.

لكن البيان الأخير يقدّم رواية مختلفة تماماً، إذ يؤكد أن الحوثيين هم من رفضوا خارطة الطريق، وهو تحوّل سياسي مهم قد يُفهم باعتباره إعلاناً بأن المملكة لم تعد تعتبر نفسها معنية بالدفاع عن ذلك المسار وأنها تنقل المسؤولية كاملة إلى الحوثيين أمام المجتمع الدولي.

ولم يأت هذا التحوّل في الخطاب السعودي بمعزل عن تطورات ميدانية وإقليمية متسارعة؛ فقد أعلنت جماعة الحوثي التصدي لما قالت إنها طائرات حربية سعودية حاولت منع هبوط طائرة مدنية إيرانية في مطار صنعاء، قبل أن يهدد المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية السعودية إذا استمرت، بحسب وصفه، "انتهاكات المجال الجوي اليمني".

وقد نقلت تلك الطائرة، التي تُعد الأولى من نوعها منذ 2015، وفد من الجماعة إلى إيران للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، في رحلة اعتبرتها الحكومة اليمنية والتحالف تجاوزاً لسيادة اليمن ورسالة تحدٍ للدور السعودي، الذي ما يزال يشرف، عسكرياً، على المجالين الجوي والبحري اليمنيين في إطار عمليات التحالف المستندة إلى طلب الحكومة اليمنية وقرار مجلس الأمن رقم 2216.

مؤشرات مرحلة جديدة

ورغم أن هذه المؤشرات مجتمعة توحي بأن السياسة السعودية دخلت مرحلة جديدة أكثر صرامة، فإنها لا تكفي وحدها للجزم بأن الرياض حسمت خيار المواجهة العسكرية. فقد يكون البيان الأخير جزءاً من استراتيجية ردع وضغط تستهدف تعديل سلوك الحوثيين وإعادة صياغة قواعد التفاوض، أكثر من كونه إعلانًا عن تحرك عسكري وشيك. ومع ذلك، يصعب تجاهل أن التجربة السابقة مع رسالة الأمير خالد بن سلمان أظهرت أن الرسائل السعودية الحاسمة لم تكن مجرد مواقف إعلامية، بل أعقبتها إجراءات ميدانية غيّرت ميزان القوى على الأرض.

لذلك، فإن أهمية البيان الأخير لا تكمن في كلمة "انتهى" وحدها، بل في أنه يجمع، للمرة الأولى منذ سنوات، بين التخلي الضمني عن الدفاع عن خارطة الطريق، وتحميل الحوثيين مسؤولية إفشالها، والتلويح برد "بحزم وقوة غير مسبوقة". وإذا كانت كلمة "انتهى" قد سبقت، في المرة الأولى، تحوّلاً ميدانياً داخل معسكر الشرعية، فإن تكرارها اليوم، مقرونة بهذا التحوّل في الخطاب السعودي، يجعلها أكثر من مجرد خاتمة لبيان رسمي. فهي قد لا تكون إعلاناً عن حرب، لكنها تبدو مؤشراً إلى أن المملكة تعيد رسم قواعد التعامل مع الملف اليمني، وأن مرحلة التهدئة التي حكمت المشهد منذ عام 2022 ربما تقترب من نهايتها.