بين كسرة الخبز وقيمة الدفتر.. كيف يواجه الآباء في مناطق الحوثيين عبء المستلزمات المدرسية؟
"بين رصيف يبحث فيه الأب عن عمل بالأجر اليومي ليوفر كسرة خبز، ومقاعد دراسية تطالب بآلاف الريالات ثمناً للمناهج والرسوم".. هكذا بدأ العام الدراسي الجديد في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي المصنفة على قوائم الإرهاب.
مأساة مريرة تختزل حكاية قهر يعيشها ملايين الآباء الذين باتت قدراتهم الشرائية تحت الصفر، فيما تحولت دفاتر الأطفال وأقلامهم من أدوات للمستقبل إلى أعباء مادية ثقيلة تدفع بالصغار مبكراً إلى جبهات القتال أو سوق العمل غير المنظم، أو تلقي بهم على أرصفة الضياع والتسول.
في الوقت الذي تصنف فيه التقارير الدولية اليمن كواحد من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وتؤكد فيه ملايين العائلات عجزها عن تأمين وجبة غذائية واحدة، تواصل هذه المليشيا -الذي تنهب رواتب الموظفين للعام العاشر على التوالي- هندسة عملية تجهيل وإفقار جماعي غير مسبوقة.
فلم يعد التحدي أمام رب الأسرة هنا محصوراً في كيفية تأمين "كسرة الخبز" اليومية وسد رمق أسرته الجائعة، ولا بالمناهج الملغومة بالطائفية التي احدثتها الجماعة لخدمة مشروعها الدخيل على المجتمع اليمني، بل أُضيف إليه كابوس آخر يُثقل كواهلهم: دفع قيمة الكتاب المدرسي الذي تطبعه المليشيا في "المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرس" وتبيعه في السوق السوداء وعلى أرصفة الشوارع بأسعار باهظة تصل إلى نحو 12 ألف ريال يمني للحزمة الوحدة لكل طالب، الأمر الذي يضع الآباء في مقايضة قاسية يومياً بين توفير كسرة الخبز لإطعام أطفالهم، أو شراء الدفتر والكتاب لتأمين مستقبلهم، كما هو حال "أم بلقيس".

حقائب ممزقة ودفاتر مستعملة
فمن أمام حانوت صغير لإسكافي يقع في أحد أزقة مدينة إب القديمة المكتظة، تقف "أم بلقيس" التي أثقل كاهلها هموم المعيشة، وهي تحتضن بين يديها حقيبتين مدرسيتين ممزقتين ومتهالكتين، تتأمل غرز الإبرة وهي ترتق ما أفسده الزمن، على أمل أن تمنح طفلتيها فرصة أخرى للالتحاق بالعام الدراسي الجديد.
تقطن هذه الأم في شقة متواضعة تستأجرها، حيث تعيش أسرتها وضعاً معيشياً كابوسيا يجبرها في غالبية الأيام على الاكتفاء بوجبة واحدة تسد بها رمق أطفالها. أما زوجها، الذي يعتمد على العمل بالأجر اليومي، فيخوض كل صباح رحلة بحث مضنية عن لقمة العيش، ليعد في نهاية المطاف بأيد فارغة جراء ركود الأسواق وانعدام فرص العمل.
في حديثها لمنصة "الهدهد" تشكو المرأة بمرارة عجزها التام ليس فقط عن توفير المستلزمات المدرسية الأساسية، بل وحتى عن دفع رسوم التسجيل والقيد والمساهمة المالية للأهالي كاشتراك شهري لدعم عملية التعليم في المدارس الحكومية التي تفرضه جماعة الحوثي على أولياء الأمور عن كل طالب مبلغ 1000 ريال، يتم صرفها للمعلمين تعويضا عن الرواتب التي تنهبها المليشيا ذاتها.
وأردفت "أتيت إلى رتق حقائب العام الماضي الممزقة، واستخرجت الدفاتر القديمة التي لم تملأ بالكامل لأقوم بقص الأوراق المستخدمة والاستفادة من بقية الأوراق ليستخدمها أطفالي هذا العام، فالحوثيون لم يتركوا لنا شيئاً، نهبوا لقمة عيشنا، وصادروا المساعدات الإغاثية ومنعوا المنظمات، واليوم يغلقون نافذة الأمل الوحيدة أمام أولادنا وهي التعليم".
تختزل هذه الأم حكاية ملايين الأسر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث تحول التعليم من حق مكفول إلى عبء مالي لا يطاق.
جيوب خاوية وقلوب مكلومة
"حميد النجار" (48 عاماً)، وهو موظف حكومي انقطع راتبه منذ منتصف 2016م ويعمل حالياً على عربة خضار يدفعها في الشوارع، يقول "لدي خمسة أطفال (ثلاثة أبناءه وحفيدين) في المدارس، عندما ذهبت لشراء أبسط المتطلبات من دفاتر وأقلام وحقائب وملابس (الزي المدرسي) إلى جانب رسوم التسجيل وقيمة المنهج المدرسي وجدت أن التكلفة تتجاوز 100 ألف ريال يمني، هذا المبلغ يعادل قوت أسرتي لنحو شهرين كامل.
يضيف النجار في تصريح لمنصة "الهدهد" أنا اليوم أمام خيارين أحلاهما علقم: إما أن أشتري الدقيق والزيت ليموت أطفالي جهلاً، أو أشتري الدفاتر ليموتوا جوعاً، في ظل جماعة لا يهمها سوى التفنن في فرض الجبايات.
وفي بيان حديث لها قالت منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (يونيسف) أن سنوات الصراع والتدهور الاقتصادي دفعت الكثير من الأسر الفقيرة إلى اتخاذ قرارات صعبة، تمثلت في إخراج أطفالها من المدارس وإلحاقهم بسوق العمل للمساعدة في توفير دخل للأسرة.
التجهيل كسياسة ممنهجة
ويرى تربويون وحقوقيون أن ما يحدث في مناطق سيطرة الحوثيين ليس مجرد تدهور اقتصادي ناتج عن الحرب، بل هي "سياسة تجهيل ممنهجة" تقودها الجماعة، خدمة لمشروعها الطائفي البغيض.
وحسب التربوي محمد البعداني فإن هذا الانقطاع الطويل للرواتب لم يدمر القدرة الشرائية للآباء الموظفين فحسب، بل ضرب منظومة التعليم في مقتل.
في تصريح خاص لمنصة "الهدهد" يقول البعداني "نعلم الطلاب وبطوننا خاوية، طوال عشر سنوات تحولنا من بناة أجيال إلى باعة رصيف وسائقي دراجات نارية ومتسولين لنوفر قيمة الخبز لأولادنا، فكيف نطالب الآباء بقيمة الكتاب المدرسي ودفاتر وحقائب ونحن أنفسنا لا نملك قيمة طبشور للكتابة على السبورة؟".
وطبقا للتربوي البعداني فإن إفقار المواطن ونهب راتبه ورفع كلفة التعليم، تدفع بالآباء في نهاية المطاف إلى إخراج أبنائهم من المدارس ودفعهم إلى سوق العمل، أو تركهم فريسة سهلة للمراكز الصيفية والدورات الطائفية التي تنتهي بنقلهم إلى جبهات القتال كوقود لحرب لا تنتهي.
تلغيم عقول الأطفال
وفي السياق ذاته يقول رئيس منظمة "سياج" لحماية الطفولة، "أحمد القرشي"، إن "ما تعمله مليشيا الحوثي ليس عشوائياً، بل خطة ممنهجة لتجفيف منابع الوعي والتعليم العام، فهذه المليشيا تعمدت قطع رواتب المعلمين ثم فرضت رسوم باهظة على الطلاب، بينما طبعت مناهج محرفة طائفياً تكرس ثقافة الموت والولاء الطائفي، وتبيعها بأسعار تجارية لتمويل حربها وتجهيل جيل كامل يسهل سوقه إلى جبهات القتال".
في حديثه لمنصة "الهدهد" يضيف "القرشي" أن "ما يواجهه الأطفال يتجاوز التعديل الهيكلي، ليمثل "تجريفاً ممنهجاً للهوية الوطنية وتلغيما فكرياا لعقول جيل بأكمله". مشيرا إلى أن المدارس تحولت من حواضن للعلم إلى منصات للتعبئة الأيديولوجية والطائفية، مما يزرع قيم العنف والعداء بدلاً من التسامح، وهو ما جعل البيئة التعليمية طاردة ومحفزة على الصراع".
ومن المنظور الحقوقي، أشار القرشي إلى أن إدراج مضامين تمجد الحروب في المناهج يُعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية حقوق الطفل الدولية. وأضاف: "نرى في منظمة سياج أن تكييف المناهج لخدمة الحشد العسكري هو عمل تحضيري مباشر لجريمة تجنيد الأطفال، والتي تُصنف كجريمة حرب وفقاً للقانون الإنساني الدولي ونظام روما الأساسي."
كما حذر رئيس منظمة سياج بقلق عميق من مخرجات هذا التعليم التدميري، مؤكداً أنه يصنع "قنابل موقوتة" تهدد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي لليمن لعقود قادمة عبر ترسيخ فكرة استباحة الآخر المخالف، وهو ما يدخل البلاد في حلقة مفرغة من العنف العابر للأجيال والحدود.
وفيما يتعلق بنسب التسرب، أوضح "القرشي"، أنه رغم صعوبة الحصول على أرقام قطعية بسبب القبضة الأمنية، فإن المؤشرات الدولية تتحدث عن أكثر من 4 ملايين طفل خارج المدرسة (والعدد مرشح للارتفاع إلى 6 ملايين).
وأكد أن المنهج الدراسي المعدّل بات يعمل كـ "قمع تصفية" يدفع بالطفل خارج الفصل الدراسي مباشرة إلى معسكرات التدريب عبر الأنشطة المدرسية التي تُسقط هيبة التعليم لصالح "قداسة القتال".
واختتم "القرشي" تصريحه بالتأكيد على موقف منظمة "سياج" الثابت بأن "المساس بعقول الأطفال جريمة لا تسقط بالتقادم"، مطالباً المجتمع الدولي والأمم المتحدة بوضع ملف "تسييس وتطييف التعليم" على رأس أولويات أي مفاوضات سياسية، كونه انتهاكاً يهدد الأمن والسلم الدوليين.