الزامل قبل المصافحة.. هكذا تستقبل مطارح القبائل اليمنية وفودها

2026-07-12 11:08 الهدهد/خاص:
جانب من وصول الوفود القبلية إلى مطارح الكرامة بصحراء الجوف
جانب من وصول الوفود القبلية إلى مطارح الكرامة بصحراء الجوف

 

في مطارح الكرامة بمنطقة الريان في صحراء الجوف، لا يبدأ استقبال الوفود القبلية بالمصافحات ولا بالخطب الطويلة، بل بزامل يسبق الجميع. وما إن تلوح طلائع القبيلة القادمة حتى يتقدم شاعرها أو أحد فرسانها لإنشاد زامل يعلن فيه قدوم الوفد وسبب حضوره، ثم ترد القبائل المستضيفة بزامل آخر يحمل معاني الترحيب والإجلال، قبل أن تتبادل القبائل المجاوبة الشعرية في مشهد ظل حاضراً في اليمن منذ مئات السنين.

وتتكرر هذه المشاهد يوماً بعد آخر في المطارح التي أُقيمت استجابة للنّكف القبلي الذي أعلنه الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، حيث تتوافد القبائل من مختلف المحافظات، ويتحوّل الزامل إلى أول خطاب يُسمع قبل أي حديث، وكأنه بطاقة تعريف، ورسالة سياسية ووثيقة عهد وإعلان موقف في آن واحد.

وعندما أعلن الشيخ حمد النّكف أنشد زاملاً قال فيه:

أولى اليمن هبّت وجابت للنداء

جت من جميع سهولها وجبالها

يبغوا يعيدوا المجد ويصدوا العدا

ما همهم دنيا وجمع أموالها

ولم يطل الانتظار حتى جاء الرد من قبائل دهم، التي ينتمي إليها، بزامل ترحيباً بالقبائل التي استجابت قالت فيه:

قال الدهمي مرحباً بالقبائل كلها

ذي على صوت الشبب جات من كل اتجاه

جاتنا فزعاتهم حامية في حلها

حي روس القبيلة كلهم عزة وجاه

ولم تكن تلك الأبيات مجرد كلمات ترحيب، بل كانت إعلاناً بأن القبائل أصبحت في عهد واحد، وهو الدور الذي ظل الزامل يؤديه في الحياة القبلية اليمنية عبر القرون.

رسائل شعرية قصيرة مؤثرة

يرى الكاتب والأديب ورئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام عادل الأحمدي أن الزوامل ليست مجرد قصائد شعبية، وإنما رسائل مكثفة تحمل مواقف واضحة.

ويقول الأحمدي، في تصريحات خاصة لمنصة الهدهد، إن الزوامل هي "برقيات شعرية تُرسل في أبيات قليلة، لكنها تحمل كلمات قوية المعنى، ولذلك فإن مستوى الكثافة فيها عالٍ للغاية".

ويضيف أن هذا الفن الشعبي يُستخدم في التعبئة والتعليق على الأحداث، وهو ما يمنحه تأثيراً واسعاً، لأنه يمثل "ميراثاً أدبياً يمنياً شعبياً متفرداً".

ولا يستغرب الأحمدي أن يتحوّل الزامل إلى أداة تأثير جماهيري، لأن بنيته تقوم على الإيجاز، وقوة الصورة، وسهولة الحفظ، وسرعة الانتشار، وهي صفات جعلته يؤدي عبر التاريخ دور الإعلام الشعبي قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة.

طقوس المراحب القبلية

من أشهر أغراض الزامل في اليمن ما يعرف بـ زوامل المراحب، وهي الزوامل التي تنشد عند استقبال القبائل والوفود.

فعندما ترغب قبيلة في زيارة قبيلة أخرى، أو تتوجه إلى مطرح قبلي، أو تحمل قضية صلح أو استجارة أو نكف، فإن الوفد لا يبدأ بالكلام المباشر، وإنما يقدم نفسه بزامل يختصر سبب حضوره، ثم يرد أصحاب المطرح بزامل ترحيبي يبرز مكانة الضيوف ويؤكد أنهم بين أهلهم.

ولا تنتهي المراسم عند هذا الحد، إذ يرد الضيوف بزامل ثالث يعرف في الأعراف القبلية بـ "المجاوبة"، يؤكدون فيه احترامهم للأعراف ووفاءهم بالعهد الذي جاءوا من أجله.

ولهذا لم يكن الزامل مجرد لون أدبي، بل تحول إلى لغة للحوار بين القبائل، وإلى وسيلة لإعلان المواقف وتوثيقها شعريًا.

ميراث يمتد لقرون

ويُعد الزامل أحد أعرق الفنون الشعرية الشعبية في اليمن، وأكثرها ارتباطاً بالهوية القبلية والاجتماعية.

ويورد الباحث صالح بن أحمد الحارثي في كتابه "الزامل في الحرب والمناسبات" أن الزامل في اللغة يعني "الصوت المختلط من عدة أصوات"، وهو معنى يعكس طريقة أدائه الجماعي، حيث ينشد الشاعر الأبيات أولاً، ثم يرددها الجميع بصوت واحد.

أما الأديب اليمني أحمد محمد الشامي، في كتابه "قصة الأدب في اليمن"، فيعرّف الزامل بأنه أحد أنواع الرجز الشعبي الذي يلجأ إليه اليمنيون في الحرب والسلم، موضحاً أن قائد القبيلة أو شاعرها يرتجل أبياتاً باللهجة العامية، ثم تتلقفها الجموع بالترديد الجماعي، فتتحول إلى وسيلة لرفع المعنويات، وإعلان المواقف، وإيصال الرسائل.

ويرجح عدد من الباحثين أن الزامل ظهر منذ بدايات القرن السادس الميلادي، قبل أن ينتشر في مختلف القبائل اليمنية، خاصة القبائل الكهلانية والقضاعية، ثم يصبح جزءاً من الموروث الثقافي في معظم مناطق اليمن، مع اختلاف بعض التسميات المحلية مثل المهايد والمغارد والرواجز، بينما يعرف في حضرموت فن قريب منه باسم الشيلة.

من الحرب إلى الحياة

ارتبط الزامل في بداياته بساحات القتال، حيث كانت القبائل تنشده جماعيًا قبل المعارك لرفع المعنويات وإظهار وحدة الصف، لكنه مع مرور الزمن تجاوز ميادين الحرب ليصبح حاضراً في معظم تفاصيل الحياة اليمنية.

فهو ينشد في الأعراس والأعياد والاستقبالات والوداع والصلح والتحكيم القبلي ورد العيب، والاستجارة، وطلب الإنصاف، ورثاء الموتى، والفخر، والكرم، وتوثيق الوقائع التاريخية.

ويمتاز الزامل بإيجازه الشديد، إذ يتكوّن غالباً من بيتين إلى ثمانية أبيات باللهجة العامية، لكنه يحمل في ألفاظه القليلة رسائل عميقة، جعلته أشبه ببيان شعري يختصر موقف قبيلة كاملة.

التراث وسلاح التعبئة

ويشير الأحمدي إلى أن جماعة الحوثي أدركت مبكراً أهمية هذا الفن الشعبي، فسعت إلى توظيفه وتلحينه، وكان له دور واضح في تعبئة المقاتلين خلال سنوات الحرب.

ويضيف أن قدرة الزامل على الوصول إلى الناس نابعة من مكانته المتجذرة في الوجدان اليمني، لكنه يؤكد أن هذا التأثير لن يبقى حكراً على طرف بعينه، مختتماً حديثه بالقول:"لا شك أن هذا السلاح سوف ينقلب ضدهم بإذن الله".

واليوم، وبينما تتردد الزوامل في مطارح الكرامة مع وصول وفود القبائل من مختلف أنحاء اليمن، يعود هذا الفن الشعبي إلى أداء إحدى أقدم وظائفه؛ استقبال الضيوف، وتأكيد العهد وإعلان الموقف في مشهد يجمع بين الشعر والتاريخ والهوية، ويؤكد أن الزامل ما يزال، بعد مئات السنين، لسان القبيلة وصوتها الحاضر.