انكسار رواية الحوثيين وإيران .. كيف قرأ سياسيون وإعلاميون يمنيون منع طائرة "طهران" من الهبوط في مطار صنعاء؟

2026-07-13 18:02 الهدهد - خاص
سياسيون وإعلاميون يمنيون يعلقون على منع طائرة "طهران" من الهبوط في مطار صنعاء - الهدهد
سياسيون وإعلاميون يمنيون يعلقون على منع طائرة "طهران" من الهبوط في مطار صنعاء - الهدهد

أشعل تحويل مسار الطائرة الإيرانية ومنعها من الهبوط في مطار صنعاء الدولي، قبل أن تضطر للتوجه نحو مطار الحديدة (غربي اليمن)، جدلاً واسعاً ونقاشاً مستفيضاً في الأوساط السياسية والإعلامية اليمنية، إذ يرى تيار واسع في هذه الخطوة مشروع استعراض سياسي وإعلامي خططت له طهران ومليشيا الحوثي، في حين يرى آخرون أن وصول الطائرة إلى وجهتها البديلة يعكس تفاهمات إقليمية تحت الطاولة لتجنب انزلاق المشهد نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.

وبين مطاري "صنعاء والحديدة"، تحولت الرحلة الإيرانية إلى اختبار سياسي يتجاوز مسألة الطائرة نفسها، ليطرح أسئلة حول طبيعة النفوذ الحوثي على المنشآت السيادية، وحدود قدرة إيران على فرض مسار مباشر مع العاصمة اليمنية، في ظل استمرار الصراع حول مستقبل القرار اليمني.

ويرى مراقبون أن مغادرة الطائرة للأجواء المحيطة بصنعاء أفشلت المشهد الذي كانت طهران والحوثيون يسعون إلى إخراجه كرسالة تحدٍ، خصوصاً بعد حملة إعلامية سبقت الرحلة للترويج لعودة مسار جوي مباشر بين صنعاء وطهران، إلا أن هبوطها في الحديدة أبقى الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة بشأن الخطوات المقبلة.

كواليس "رحلة التحدي" 

وفقاً لبيانات رادار تتبع الرحلات الجوية التي رصدها المقرّبون والمهتمون، فإن الأزمة بلغت ذروتها عندما أقلعت طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية، من طراز إيرباص A340-313 وتحمل التسجيل EP-MMC من مطار الإمام الخميني الدولي في طهران، تحت رقم الرحلة IRM1199 (W51199).

الطائرة التي كانت تحلق في الأجواء اليمنية على ارتفاع 38 ألف قدم وبسرعة أرضية بلغت 492 عقدة، لم تكن رحلة عادية، إنما هي الطائرة ذاتها التي فجّرت الأزمة قبل نحو أسبوع حين هبطت في مطار صنعاء غصباً، وغادرت إلى طهران وعلى متنها وفد رفيع من الجماعة للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، لتشكل رحلة عودتها محاولة إيرانية صريحة لفرض أمر واقع لجسر جوي دائم.

لكن السيناريو المعدّ في طهران واجه جداراً عسكرياً صلباً؛ حيث أظهرت الرادارات فجأة اختفاء الطائرة فوق الأجواء اليمنية بعد منعها من الاقتراب من العاصمة، قبل أن تعود للظهور لاحقاً في أجواء الساحل الغربي متجهة صوب مطار الحديدة كوجهة بديلة، بعد أن استحال عليها ملامسة مدرج صنعاء.

"نفد الصبر"

هذا التحول الميداني العنيف جاء مدفوعاً بمتغيرات عسكرية حاسمة على الأرض، إذ أصدر وزير الدفاع اليمني، "الفريق الركن طاهر العقيلي" بياناً حمل لغة هي الأشد منذ سنوات تجاه طهران، معلناً أن القوات المسلحة اليمنية ستتصدى بجميع الوسائل المتاحة لـ"الطيران المعادي المنتهك للأجواء والسيادة اليمنية".

وأكد العقيلي أن الحكومة اليمنية حاولت، بالتعاون مع المجتمعين الإقليمي الدولي، استنفاد كافة الوسائل القانونية والدبلوماسية لإقناع إيران والحوثيين بعدم اختراق الأجواء، مشيراً إلى أن هذا الاختراق يحمل طابع "التحدي السافر للشرعية الدولية"، ومشدداً على أن صبر الدولة قد نفد.

ولم يقف الموقف عند حدود البيان، إذ ترجمت وزارة الدفاع تحذيراتها عملياً بـ"استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي" وشله تماماً لمنع الطائرة الإيرانية من الهبوط، وبررت الوزارة الخطوة بأن الحوثيين منعوا الطيران الوطني اليمني من الهبوط في صنعاء، وأصروا في المقابل على فتح الأجواء للطيران الإيراني، مما استدعى تدخلاً عسكرياً مباشراً لحماية السيادة الوطنية، بالتزامن مع إعلان مجلس الوزراء اليمني حالة الانعقاد الدائم لمواجهة هذا التصعيد.

سقوط ادعاء "السيادة الحوثية"

وفي قراءته لأبعاد هذه المواجهة، أكد مستشار مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية، "ثابت الأحمدي"، أن أبرز ما كشفته الواقعة هو "سقوط الادعاء الذي سعت طهران وميليشيا الحوثي إلى تسويقه بأن قرار السماء اليمنية ومطار العاصمة بات بأيديهم".

وأوضح الأحمدي، عبر منصة "إكس"، في منشور رصدته "الهدهد"، أن الجماعة حاولت تصوير المشهد وكأنه إعلان لسيادة مفروضة بقوة الأمر الواقع، مستدركاً بالقول: "لكن الأحداث أثبتت أن ذلك لم يكن سوى دعاية سياسية سرعان ما اصطدمت بالواقع. إن عجز الحوثيين عن تأمين هبوط طائرة تحمل هذا القدر من الرمزية والأهمية السياسية لطهران لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً، بل هو إخفاق واضح كشف حدود سلطتهم الفعلية".

وأضاف المستشار الرئاسي أن اضطرار الطائرة للتوجه نحو مطار آخر يثير إشكاليات قانونية بشأن انتهاك السيادة، لكنه لا يغير من جوهر النتيجة؛ إذ إن المعركة الحقيقية كانت حول مطار صنعاء، وهناك تحديداً انهارت رواية "كسر الحصار" التي رُوِّج لها بكثير من الضجيج، لتنتهي المغامرة الصاخبة بخسارة سياسية وإعلامية فادحة للجماعة.

 صراع "المسار المفتوح"

من جانبه، أشار الكاتب والصحفي اليمني، "عبد الله دوبلة"، إلى أن القضية تتجاوز تفاصيل الرحلة الفردية، وترتبط برغبة طهران في تدشين "مسار إيراني مفتوح ومستدام بين طهران وصنعاء"، لافتاً إلى أن الموقف الحاسم للحكومة الشرعية والتحالف اليوم يرتكز على الرفض المطلق والقطعي لهذا الواقع الجديد الذي تريد إيران فرضه عنوة.

وحول السيناريوهات المتوقعة للمرحلة المقبلة بعد مأزق الطائرة الرابضة في الحديدة، أوضح "دوبلة" أن مسألة الطائرة الحالية يمكن معالجتها والسماح لها بالعودة في إطار تفاهمات معينة بين إيران والسعودية لتجنب الانفجار الشامل.

وقال: "لكن في المحصلة النهائية، لن يُسمح بفتح هذا المسار الجوي الجديد بين الحوثي وإيران مهما كلف الأمر، ومهما كانت تهديدات الحوثي بردة الفعل العسكرية".

مفاجأة القصف 

أما المحلل السياسي والعسكري اليمني "عدنان الجبرني"، فرأى أن أهمية ما حدث تكمن في كسر الخطوة الأولى ضمن مسار تصعيد كانت جماعة الحوثي تستعد له.

وقال الجبرني في منشور رصدته منصة "الهدهد"، إن الجماعة ربما تفاجأت بالضربة التي عطلت هبوط الطائرة، ولم تكن تتوقع اتخاذ موقف عملي بهذا المستوى، مشيراً إلى أن الحوثيين بالغوا خلال الأيام الماضية في إطلاق التهديدات اعتماداً على اعتقاد بأن خصومهم يتجنبون أي احتكاك معهم.

ولفت إلى أن إعلان الحوثيين استمرار خط صنعاء - طهران كان جزءاً من محاولة فرض واقع جديد، معتبراً أن التطورات الأخيرة جعلت تنفيذ هذا المسار أكثر صعوبة.

وأضاف أن موقف الرئاسة والحكومة والجيش، بدعم من التحالف، يمثل خطوة إيجابية إذا تم البناء عليها، لكنه شدد على ضرورة الاستعداد لأي ردود فعل أو خطوات تصعيدية من جانب الحوثيين.

 الدولة مقابل الاستعراض

في المقابل، فسرت عضو هيئة التشاور والمصالحة اليمنية "ألفت الدبعي" التريث الحكومي السابق بأنه جزء من إدارة دولة لا تقوم على ردود الأفعال.

وقالت الدبعي، في منشور على "فيسبوك" تابعته "الهدهد" إن "القيادة الشرعية تعمل بمنطق الدولة والمؤسسات، بينما تعمل جماعة الحوثي بمنطق الاستعراض المسرحي"، مؤكدة أن الهدوء لا يعني غياب الرد، وإنما يعكس، وفق تعبيرها، حسابات استراتيجية.

وأضافت أن الحوثيين يسعون إلى جر الدولة إلى مربع الفوضى عبر الاستفزازات، بينما تعمل مؤسسات الدولة وفق حسابات طويلة الأمد مرتبطة بالسيادة والقانون والمجتمع الدولي.

هبوط الحديدة.. صدمة وأسئلة

من جهته، وصف رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات "عادل الأحمدي" حالة الشارع اليمني خلال متابعة مسار الطائرة بأنها كانت أشبه بحدث رمزي كبير.

وقال في تعليق له تابعته "الهدهد"، إن معنويات اليمنيين ارتفعت عقب بيان وزير الدفاع، قبل أن تتراجع مع هبوط الطائرة في الحديدة، مشيراً إلى أن آلاف اليمنيين تابعوا مسارها عبر تطبيقات الرصد الجوي وكأنهم يترقبون لحظة فاصلة.

ورغم حالة الإحباط التي رافقت هبوط الطائرة في الحديدة، اعتبر "الأحمدي" أن الحدث كشف حجم الرفض الشعبي للنفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن خروج وزارة الدفاع بموقف عملي يمثل تطوراً مهماً، حتى لو لم تتحقق كل النتائج التي كان يأمل بها البعض.

إسقاط ادعاء السيادة الحوثية

من جهته يرى الصحفي والمحلل السياسي "عبدالرقيب الهدياني" أن منع الطائرة من الهبوط في صنعاء يمثل مكسباً سياسياً واستراتيجياً للحكومة الشرعية والتحالف، بغض النظر عن وجهتها النهائية.

وقال "الهدياني"، في تحليل تابعته "الهدهد" إن الحادثة أثبتت أن مطار صنعاء والمجال الجوي اليمني ليسا مساحة مفتوحة لفرض الأمر الواقع من قبل إيران، معتبراً أن رواية "كسر الحصار" فقدت زخمها بعد فشل الهبوط في العاصمة.

وأضاف أن أهمية الحدث تكمن في إسقاط الصورة التي حاول الحوثيون وطهران تكريسها حول امتلاك القرار السيادي، مؤكداً أن الفشل في تأمين هبوط طائرة بهذا المستوى من الأهمية يكشف محدودية السيطرة الفعلية للجماعة.

إخراج طهران من مشهد الاستعراض

بدوره، اعتبر الصحفي اليمني "أحمد عائض" أن هبوط الطائرة في الحديدة لا يمثل اختراقاً، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي لطهران والحوثيين كان تحويل الهبوط في صنعاء إلى مشهد سياسي وإعلامي كبير.

وقال "عائض" في تعليق رصدته "الهدهد" إن القوات الحكومية، بحسب تقديره، فرضت قواعد جديدة بمنع استخدام مطار صنعاء لهذا الاستعراض، وإن الرسالة وصلت بأن أي محاولة مستقبلية لفرض أمر واقع ستواجه برد مختلف.

وأضاف أن الحوثيين خسروا معركة التحدي الإعلامي والسياسي، بينما تمكنت الحكومة من فرض حدود جديدة للحركة الإيرانية في الملف اليمني.

بين التصعيد والتفاهمات

في المقابل، يرى الصحفي "عمار علي أحمد" أن هبوط الطائرة في الحديدة يطرح أسئلة حول طبيعة القرار العسكري والسياسي، خصوصاً مع عدم استهداف مدرج المطار لمنع هبوطها.

وقال في منشور له تناول الواقعة ورصدته "الهدهد"، إن الإجابة عن هذه التساؤلات ستتضح من خلال الخطوات المقبلة، واضعاً احتمالين رئيسيين: الأول أن يذهب الحوثيون إلى رد تصعيدي، مقابل استمرار الحكومة والسعودية في منع أي محاولة لإعادة فتح المسار بالقوة؛ والثاني أن يكون ما حدث تسوية مؤقتة تمنع انفجار مواجهة واسعة.

وبحسب هذا السيناريو، تكون الرسالة السياسية قد وصلت بمنع الهبوط في صنعاء، بينما قد يستثمر الحوثيون هبوط الطائرة في الحديدة إعلامياً لتقديمه لجمهورهم باعتباره انتصاراً.

وبين رواية "السيادة الحوثية" التي تلقت ضربة في مطار صنعاء، والجدل حول هبوط الحديدة، تكشف الرحلة الإيرانية أن المعركة لم تكن حول طائرة فقط، بل حول من يملك قرار السماء والمطارات ومسار النفوذ في اليمن خلال المرحلة المقبلة.