من ردع الطائرة الإيرانية إلى استعادة السيادة.. أربع خطوات لبناء معادلة جديدة مع الحوثيين

2026-07-19 08:40 الهدهد/خاص:
من ردع الطائرة الإيرانية إلى استعادة السيادة.. أربع خطوات لبناء معادلة جديدة مع الحوثيين

شكّل منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء، وما رافقه من إجراءات سياسية وعسكرية وإدارية اتخذتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، تطوراً لافتاً في طريقة تعاملها مع جماعة الحوثي. فبعد سنوات اتسمت في الغالب بتجنب التصعيد والبحث عن احتواء الأزمات عبر تقديم التنازلات، اختارت الحكومة هذه المرة إظهار قدر من الردع، انطلاقاً من اعتبار ما جرى انتهاكاً مباشراً للسيادة اليمنية.

ورغم أن بعض أنصار الحكومة رأوا أن الرد جاء دون مستوى التوقعات، فإن آخرين اعتبروه خطوة مهمة يمكن البناء عليها، ليس لأنها أنهت الأزمة، وإنما لأنها كسرت – ولو جزئياً – معادلة ظل الحوثيون يفرضونها طوال سنوات الحرب، تقوم على التهديد العسكري مقابل انتزاع تنازلات سياسية وإدارية من الحكومة الشرعية ومن التحالف بقيادة السعودية.

ولم تكن المشكلة في حادثة الطائرة الإيرانية وحدها، بل في نمط إدارة الأزمات الذي جعل التهديد الحوثي وسيلة فعالة لتحقيق المكاسب، وإذا كانت الحكومة قد نجحت هذه المرة في رسم خط أحمر يتعلق بالسيادة الجوية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الموقف إلى سياسة مستدامة لا إلى استثناء فرضته ظروف الأزمة.

ولتحقيق ذلك، تبرز أربعة مسارات رئيسية ينبغي البناء عليها.

أولاً: تثبيت سياسة الردع وإنهاء مرحلة الاستجابة للابتزاز

خلال السنوات الماضية، اتسم تعامل الحكومة مع كثير من الأزمات بمحاولة تجنب المواجهة العسكرية، حتى وإن استلزم ذلك تقديم تنازلات تحت ضغط التهديدات الحوثية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك موافقة الحكومة على تسليم الطائرة الرابعة التابعة للخطوط الجوية اليمنية إلى مطار صنعاء، بعد تهديد الحوثيين باستهداف مطار عدن والمطارات الواقعة تحت سيطرة الحكومة. وقد برر رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي هذا القرار حينها بالرغبة في تجنب كارثة أكبر.

لكن الأحداث أثبتت لاحقاً أن سياسة الاحتواء لم تحقق أهدافها، إذ انتهى الأمر بتدمير الطائرة نفسها، إلى جانب ثلاث طائرات أخرى، في القصف الإسرائيلي الذي استهدف مطار صنعاء، لتتحقق الكارثة التي كانت الحكومة تسعى إلى تجنبها.

كما شهدت السنوات الماضية قرارات حكومية أخرى اتسمت بالتراجع بعد ضغوط إقليمية ودولية، أو بدافع تجنب التصعيد العسكري، وهو ما عزز لدى الحوثيين قناعة بأن التهديد باستخدام القوة يظل الوسيلة الأسرع للحصول على المكاسب السياسية والإدارية.

ومن هنا، فإن أهمية ما حدث في أزمة الطائرة الإيرانية لا تكمن في منع رحلة جوية فحسب، بل في إمكانية أن يؤسس لتحوّل في فلسفة إدارة الصراع، بحيث يصبح الردع، وليس الاستجابة للابتزاز، هو القاعدة التي تحكم العلاقة مع الحوثيين.

ثانياً: تطوير القوة الجوية واستكمال بناء ميزان ردع جديد

أعاد إعلان نائب قائد القوات الجوية اليمنية اللواء عبدالعزيز المحيا عن إعادة تأهيل عدد من الطائرات المقاتلة والكوادر الفنية، والتأكيد أن القوات الجوية هي التي نفذت استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية، قدراً من الثقة داخل الأوساط الشعبية بإمكانية عودة سلاح الجو اليمني للقيام بدور فاعل في حماية السيادة.

وهذه الخطوة ينبغي ألا تتوقف عند حدود الرسالة الرمزية، بل يجب أن تتحوّل إلى برنامج طويل الأمد لإعادة بناء القوة الجوية اليمنية، إذ أن الردع لا يتحقق بامتلاك طائرة أو تنفيذ ضربة واحدة، وإنما بامتلاك قدرة مستمرة تجعل أي طرف يفكر ملياً قبل الإقدام على انتهاك السيادة اليمنية.

ولهذا، يصبح من الضروري مواصلة إعادة تأهيل ما تبقى من الطائرات العسكرية، ودراسة شراء مقاتلات منخفضة الكلفة، إلى جانب الاستثمار المكثف في الطيران المسيّر، الذي أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه أكثر الوسائل العسكرية كفاءة مقارنة بكلفته.

وهذا الطيران لطالما اعتمد عليه الحوثيون بصورة واسعة على الطائرات المسيّرة في استهداف الجبهات، كما استخدموها لإيقاف صادرات النفط اليمنية منذ أواخر عام 2023، الأمر الذي ألحق أضراراً اقتصادية جسيمة بالحكومة. كما تشير تقديرات إلى أنهم لا يزالون يحتفظون بعدد من الطائرات العسكرية التي استولوا عليها من القوات الجوية اليمنية عقب انقلابهم.

وفي المقابل، تمتلك الحكومة اليوم قاعدة يمكن البناء عليها، من خلال كليات الطيران والدفاع الجوي في مأرب وعدن، وتخريج دفعات جديدة من الضباط، إضافة إلى وجود كوادر يمنية مؤهلة قادرة على تشغيل وصيانة المنظومات الجوية إذا توفرت الإمكانات اللازمة.

ومما لا شك فيه أن امتلاك قوة جوية فاعلة، حتى وإن كانت محدودة، سيخلق توازناً نسبياً مع القدرات الجوية التي راكمها الحوثيون، ويمنح الحكومة خيارات أوسع لحماية السيادة وفرض الردع في أي مواجهة مستقبلية.

ثالثاً: استعادة السيادة على المجال الجوي ومركز التحكم بالملاحة

إذا كانت الحكومة قد نجحت في فرض سيادتها القانونية على ملف الطيران من خلال التعميم الأخير، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون استعادة السيطرة التشغيلية الكاملة على المجال الجوي اليمني.

فمن غير المنطقي أن تبقى الحكومة المعترف بها دولياً عاجزة عن إدارة أجوائها، بينما يظل مركز المراقبة والتحكم (Sanaa ACC) يعمل من صنعاء، بما يتيح للحوثيين الإشراف على حركة الطيران العابرة والاستفادة من رسوم الملاحة الجوية.

وقد تأخر هذا الملف كثيراً، رغم أنه يمثل أحد أهم مظاهر السيادة الوطنية، حيث تشير تقديرات فنية إلى أن نقل مركز التحكم إلى عدن أو المكلا ليس أمراً معقداً من الناحية التقنية، بل يحتاج إلى تجهيزات اتصالات وكوادر متخصصة متوافرة بالفعل، مع استكمال الإجراءات الفنية والدبلوماسية مع منظمة الطيران المدني الدولي.

كما أن استعادة هذا الملف لا ينبغي أن تكون مرتبطة بنتائج الأزمة الحالية، ولا بأي تسوية سياسية أو تفاهمات إقليمية أو أممية، ذلك أن إدارة المجال الجوي شأن سيادي خالص، تماماً كما نُقل البنك المركزي وعدد من المؤسسات السيادية إلى عدن بعد انقلاب الحوثيين.

ومن شأن نجاح الحكومة في هذا المسار أن يحرم الحوثيين من مورد مالي مهم، ويعيد الاعتراف الدولي تدريجياً بالمؤسسات الشرعية باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة الملاحة الجوية اليمنية.

ولا تقتصر أهمية هذا الملف على استعادة أحد أهم مظاهر السيادة الوطنية، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي أيضاً. فبحسب تقديرات رسمية، تدر رسوم عبور الأجواء اليمنية ملايين الدولارات شهرياً، فيما تشير البيانات إلى أن الإيرادات التي خرجت عن سيطرة الحكومة خلال سنوات الحرب تجاوزت 300 مليون دولار، وهو ما يجعل استعادة إدارة المجال الجوي خطوة سيادية واقتصادية في آن واحد.

كما تفرض الهيئة العامة للطيران المدني تعرفة لعبور الأجواء تبدأ من 108 دولارات للطائرة، وتصل إلى 700 دولار للطائرات الكبيرة، مع مضاعفة الرسوم على الرحلات غير المصرح بها، الأمر الذي يجعل قطاع الملاحة الجوية أحد أبرز مصادر الإيرادات غير النفطية للدولة، ويبرز حجم الموارد التي يمكن للحكومة استعادتها بمجرد استكمال نقل مركز التحكم إلى المناطق المحررة.

رابعاً: مواصلة المسار السياسي دون التفريط بالسيادة

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحوّل الردع العسكري إلى بديل عن العمل السياسي، بل يجب أن يسيرا معاً.

ويمكن للحكومة الاستمرار في إبداء المرونة تجاه المبادرات الرامية إلى تسهيل حركة المسافرين من مطار صنعاء، ومنها المبادرة الأردنية الخاصة بتشغيل رحلات بين عمّان وصنعاء، شريطة أن يتم ذلك ضمن الأطر القانونية التي تحفظ حق الدولة في إدارة مجالها الجوي ومنح تصاريح الطيران.

كما ينبغي للحكومة أن تكثف جهودها الدبلوماسية لشرح موقفها أمام المجتمع الدولي، والتأكيد أنها لم تعارض يوماً تشغيل الرحلات الإنسانية أو التجارية، بل سبق أن قدّمت خلال السنوات الماضية أكثر من مقترح لتوسيع الوجهات عبر الناقل الوطني وبإشراف السلطة الشرعية، إلا أن الحوثيين رفضوا تلك المقترحات، لأن هدفهم لم يكن توسيع خيارات السفر للمواطنين بقدر ما كان السعي إلى فتح خطوط جوية خارج الرقابة الحكومية، بما يتيح استخدام بعضها في أنشطة لا تخضع للرقابة السيادية والأمنية.

وبذلك، تستطيع الحكومة أن تجمع بين الانفتاح على المبادرات الإنسانية والحفاظ على حقها الحصري في إدارة الأجواء اليمنية، وهو حق لا يمكن أن يكون محل تفاوض أو مساومة.