لماذا "عيبان" و"نقم"؟.. كيف اختزل اسما المسيّرتين معركة استعادة صنعاء

2026-07-30 12:15 الهدهد/خاص:
كتابة اسمي "عيبان" و"نقم" على مقدمة المنظومتين المسيّرتين اللتين أعلنت وزارة الدفاع اليمنية تدشينهما.
كتابة اسمي "عيبان" و"نقم" على مقدمة المنظومتين المسيّرتين اللتين أعلنت وزارة الدفاع اليمنية تدشينهما.

لم يكن الإعلان عن تدشين منظومتين جديدتين من الطائرات المسيّرة في القوات المسلحة اليمنية، تحت اسمي "عيبان" و"نقم"، حدثاً عسكرياً عادياً اقتصر على الكشف عن سلاح جديد، بل حمل في طياته رسائل تتجاوز الجانب التقني إلى أبعاد سياسية ووطنية وتاريخية، أعادت طرح سؤال بدا حاضراً منذ اللحظة الأولى للإعلان: لماذا اختارت وزارة الدفاع هذين الاسمين تحديداً؟

وخلال حفل التدشين، أعلن وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي أن المنظومتين من الإنتاج المحلي، وستستخدمان في تنفيذ مهام الاستطلاع ودعم العمليات العسكرية، مؤكداً أن إدخالهما الخدمة يمثل إضافة نوعية لقدرات القوات المسلحة في إطار برنامج تطوير سلاح الجو. 

إلا أن اللافت في الإعلان لم يكن المنظومتان بحد ذاتهما، بقدر ما كان اختيار اسميهما، فلم يكن اختيار "عيبان" و"نقم" من بين عشرات الجبال والمعالم التاريخية اليمنية اعتباطياً، بل بدا وكأنه رسالة سياسية وعسكرية تختزل بوصلة المعركة الوطنية في اسمين ارتبطا بالعاصمة صنعاء عبر التاريخ.

وفي حديث خاص لمنصة الهدهد، يكشف مصدر عسكري في وزارة الدفاع للمرة الأولى الخلفية التي وقفت وراء اختيار الاسمين، مؤكداً أن التسمية جاءت لتعبّر عن رؤية المؤسسة العسكرية للهدف النهائي للحرب، والمتمثل في استعادة العاصمة صنعاء باعتبارها المدخل الحقيقي لاستعادة الدولة اليمنية.

ويقول المصدر إن صنعاء ليست مجرد مركز إداري أو مقر للسلطة، وإنما تمثل رمز الدولة اليمنية وسيادتها ووحدة قرارها السياسي والعسكري، ولذلك فإن اختيار اسمي الجبلين اللذين يحتضنان العاصمة من الشرق والغرب يعكس بوضوح أن بوصلة العمليات العسكرية ما تزال تتجه نحو المدينة التي يراها الجيش مفتاح استعادة مؤسسات الدولة.

ويضيف أن الرسالة التي أرادت وزارة الدفاع إيصالها من خلال هذه التسمية بسيطة وواضحة في آن واحد، وهي أن استعادة الدولة تبدأ من استعادة عاصمتها، وأن أي حديث عن اكتمال مشروع استعادة الدولة سيظل ناقصاً ما دامت صنعاء خارج سلطة الدولة.

ويؤكد المصدر أن استعادة محافظات يمنية، على أهميتها العسكرية والسياسية، لا تعني انتهاء المعركة، موضحاً أن استمرار تمركز جماعة الحوثي في العاصمة يبقي الخطر قائماً على جميع المناطق المحررة، ويجعل أي مكاسب ميدانية عرضة للتهديد في أي وقت.

ويقول: "لا يمكن الحديث عن استعادة الدولة ما لم تستعد العاصمة صنعاء، فهي مركز القرار ورمز السيادة، وبدونها تفقد الانتصارات العسكرية والسياسية كثيراً من قيمتها الاستراتيجية".

عيبان ونقم... الجبلان اللذان يحرسان العاصمة

ويكتسب اختيار اسمي عيبان ونقم دلالة خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الجبلان في التاريخ اليمني، فهما ليسا مجرد مرتفعين جبليين يطلان على العاصمة، بل يمثلان جزءاً من الهوية الجغرافية والسياسية لصنعاء منذ قرون.

ويقع جبل عيبان إلى الغرب من العاصمة في مديرية بني مطر، ويرتفع إلى نحو 2700 متر فوق سطح البحر، ويُعد أحد أبرز المعالم الطبيعية التي شكلت الحماية الغربية لصنعاء عبر التاريخ. وقد ورد ذكره في المصادر اليمنية القديمة، وفي مقدمتها مؤلفات المؤرخ والجغرافي اليمني الحسن بن أحمد الهمداني، كما تشير بعض الدراسات إلى أن اسمه ظهر في النقوش الحميرية القديمة بصيغة "عيبن".

أما جبل نقم، فينتصب شرق العاصمة بارتفاع يقارب 2800 متر، ويشكل مع جبل عيبان ثنائية جغرافية ارتبطت بتاريخ صنعاء منذ نشأتها. وتشير روايات تاريخية إلى أن الجبل كان يعرف قديماً باسم جبل غيمان، بينما تنسب بعض المصادر ظهور اسم "نقم" إلى فترة الوجود الحبشي في اليمن خلال القرن السادس الميلادي.

ولا تقتصر أهمية الجبلين على موقعهما الجغرافي، بل تمتد إلى ما لعباه من أدوار عسكرية عبر مختلف العصور، إذ شكلا نقاط السيطرة الطبيعية على مداخل العاصمة، وأقيـمت فوقهما تحصينات ومواقع دفاعية، وظلا حاضرين في معظم المحطات العسكرية التي شهدتها صنعاء.

وبحسب المصدر العسكري، فإن استحضار هذين الاسمين لم يكن بهدف استدعاء الماضي فحسب، وإنما لربط التاريخ بالحاضر، وإبراز أن المعركة الدائرة اليوم تستهدف استعادة المدينة التي ارتبطت بها هاتان القمتان منذ مئات السنين، باعتبارها قلب الدولة اليمنية ومركز ثقلها السياسي والعسكري.

من ذاكرة الجمهورية إلى معركة استعادة صنعاء

ولم يكن اختيار جبل نقم ضمن هذه التسمية منفصلاً عن رمزيته العسكرية في التاريخ اليمني الحديث، إذ ارتبط اسمه بأحد أهم المنعطفات في تاريخ الجمهورية خلال حصار السبعين يوماً أواخر عام 1967 ومطلع 1968، عندما تحوّلت المرتفعات المطلة على صنعاء إلى مسرح لمعارك حاسمة انتهت بصمود العاصمة وترسيخ النظام الجمهوري.

ومنذ ذلك الوقت ظل الجبل يمثل مركز ثقل عسكرياً بسبب إشرافه المباشر على المدينة، فاستُخدم خلال العقود اللاحقة موقعاً للتحصينات العسكرية وتخزين الأسلحة، قبل أن يصبح بعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014 أحد أبرز المواقع العسكرية التي تسيطر عليها الجماعة داخل العاصمة.

أما جبل عيبان، فقد ظل عبر مختلف المراحل التاريخية يمثل البوابة الغربية لصنعاء، واكتسب أهميته من موقعه المرتفع المطل على العاصمة ومداخلها، ما جعله جزءاً أساسياً من المنظومة الدفاعية للمدينة منذ قرون.

ويرى المصدر العسكري أن استحضار هذين الجبلين في أول مشروع للطائرات المسيّرة يحمل رسالة واضحة بأن معركة اليوم ليست منفصلة عن التاريخ اليمني، وإنما امتداد لمعركة الدولة في الدفاع عن عاصمتها واستعادتها، ولذلك جاءت التسمية لتربط الذاكرة الوطنية بالواقع العسكري الراهن.

ويضيف أن اختيار "عيبان" و"نقم" يعيد توجيه الاهتمام نحو العاصمة، باعتبارها مركز الثقل السياسي والعسكري للدولة، ورسالة تؤكد أن صنعاء ستظل محور العمليات حتى استعادتها.

لماذا وقع الاختيار على عيبان ونقم دون غيرهما؟

ويقرّ المصدر بأن التسمية قد تثير تساؤلات لدى البعض حول أسباب عدم إطلاق أسماء شخصيات وطنية أو قادة عسكريين أو جبال أخرى لعبت أدواراً بارزة في التاريخ اليمني أو في الحرب الدائرة منذ سنوات.

لكنه يؤكد أن ذلك لا يحمل أي دلالة على تفضيل رمز على آخر، أو التقليل من مكانة الشخصيات الوطنية أو المعالم التاريخية التي كان لها دور في مقاومة المشروع الحوثي.

ويقول إن الوزارة تنظر إلى جميع تلك الرموز باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية، غير أن المرحلة الحالية استدعت اختيار اسمين يرتبطان مباشرة بالعاصمة، لأن الرسالة التي أرادت المؤسسة العسكرية إيصالها هي أن استعادة صنعاء تمثل الهدف الاستراتيجي الذي ينبغي أن تتجه إليه الجهود العسكرية والسياسية والإعلامية على حد سواء.

وأضاف أن وزارة الدفاع لا تستبعد مستقبلاً إطلاق أسماء شخصيات وطنية، سواء ممن استشهدوا أو ممن لا يزالون على قيد الحياة، أو أسماء معالم وجبال يمنية أخرى، على الإصدارات الجديدة من الطائرات المسيّرة أو المنظومات الجوية التي يجري العمل على تطويرها.

قدرات معلنة... وتفاصيل ما تزال غائبة

ورغم الإعلان الرسمي، لم تكشف وزارة الدفاع حتى الآن عن المواصفات الفنية للطائرتين، بما في ذلك المدى العملياتي أو الحمولة أو أنظمة التوجيه أو نوع المحركات أو وسائل الاتصال. ولم توضح الوزارة أسباب حجب هذه التفاصيل، غير أن من المعتاد في البرامج العسكرية عدم الإفصاح عن بعض المواصفات المتعلقة بالمنظومات الجديدة.

وبالنسبة للمصدر العسكري، فإن القيمة الحقيقية لتسمية أولى الطائرات المسيّرة لا تكمن في الاسم بحد ذاته، وإنما في الرسالة التي يحملها. فاختيار "عيبان" و"نقم"، وهما الجبلان اللذان يحتضنان صنعاء من الغرب والشرق، يعكس رؤية المؤسسة العسكرية لأولويات المرحلة، ويجسد قناعة مفادها أن استعادة العاصمة ليست هدفاً جغرافياً فحسب، بل هي المدخل لاستعادة مؤسسات الدولة وسيادتها.

حين يصبح الاسم جزءاً من المعركة

وبينما تمثل الطائرتان بداية مسار جديد في تطوير سلاح الجو، فإن اسميهما يقدمان، وفق رؤية وزارة الدفاع، إعلاناً رمزياً بأن بوصلة المعركة لا تزال تتجه نحو صنعاء، باعتبارها قلب الدولة اليمنية، وأن استعادتها ستظل العنوان الذي تلتقي عنده الأهداف العسكرية والسياسية في مشروع استعادة الدولة.